الخميس، 26 مارس 2009

مهدي عاكف يؤكد انه سيترك موقعه كمرشد عام للاخوان نهاية العام الحالي

القاهرة (ا ف ب) -
اعلن المرشد العام للاخوان المسلمين محمد مهدي عاكف الخميس انه سيترك موقعه كمرشد عام للاخوان المسلمين نهاية العام الحالي ولن يترشح لهذا المنصب لفترة ثانية.
وقال عاكف لوكالة فرانس برس "لا انوي الترشح مجددا لموقع المرشد العام للاخوان المسلمين بعد انتهاء فترة ولايتي الحالية مطلع كانون الثاني/يناير المقبل".
واضاف "هذا قرار شخصي واتخذته لانني بلغت 81 عاما واعتقد انه حان الوقت لاتخلى عن اي موقع قيادي في هذه السن". وتابع "ساعود عضوا عاديا في الاخوان وستجرى الجماعة طبقا للوائح انتخابات لاختيار مرشد عام جديد".
وانتخب مهدي عاكف، المرشد العام السابع لجماعة الاخوان التي اسسها حسن البنا في العام 1929، لمدة ست سنوات في كانون الثاني/يناير 2004 بعد وفاة المرشد العام السادس مأمون الهضيبي.
وقال القيادي في الجماعة عبد المنعم ابو الفتوح لوكالة فرانس برس ان انتخابات المرشد العام تتم من قبل مجلس الشورى الذي يبلغ عدد اعضائه حوالى المئة اذ يضم
80 عضوا منتخبا اضافة الى اعضاء مجلس الارشاد الحالي (15) واعضاء مجلس الارشاد السابق.

30عامًا على معاهدة السلام: أين الخلل؟

د. عمرو الشوبكى
فى مثل هذا اليوم، وتحديدا فى ٢٦ مارس ١٩٧٩، وقّع الرئيس السادات على معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، وتضمنت إنهاء حالة الحرب وإقامة علاقات دبلوماسية طبيعية بين البلدين، وانسحاب إسرائيل من سيناء، وتضمنت أيضًا ضمان عبور السفن الإسرائيلية من قناة السويس، واعتبار مضيق تيران وخليج العقبة ممرات مائية دولية،
كما نصت على ضرورة البدء بمفاوضات لإنشاء منطقة حكم ذاتى للفلسطينيين فى الضفة الغربية وقطاع غزة والتطبيق الكامل لقرار مجلس الأمن الدولى رقم ٢٤٢ ( لم يطبق إلى الآن). ووضعت الاتفاقية شروطًا على سيادة مصر فى سيناء تتعلق بحرية تحرك الجيش المصرى، وقصرت استخدام المطارات الجوية التى يخليها الإسرائيليون قرب العريش وشرم الشيخ على الأغراض المدنية فقط.
وأثارت الاتفاقية سخط العالم العربى وكثير من البلدان الإسلامية، واتهم الرئيس السادات «بالخيانة»، وجُمّدت عضوية مصر فى جامعة الدول العربية، وشكلت دول «الممانعة» ما عرف فى ذلك الوقت بجبهة الصمود والتصدى التى ركزت جهودها النضالية فى التآمر ضد بعضها البعض، وقدم نظاما البعث فى سوريا والعراق «نموذجًا» فى هذا الصدد، فخاضا حرب ميكروفونات ضد معاهدة السلام وتوجهات الرئيس السادات، دون أن يطلقا رصاصة طائشة على إسرائيل.
وإذا كانت البدائل التى قدمت فى مواجهة هذه الخطوة فشلت فشلا ذريعا، فإن «السؤال المصرى» ظل يدور حول ما إذا كان يمكن اعتبار اتفاقية السلام إنجازا لمصر ونموذج نجاح، استعدنا من خلالها رغم كل القيود أرضنا المحتلة، أم أنها وبعيدا عن فشل بدائلها، هى اتفاقية أضرت بمصر وأنهت دورها الإقليمى وجعلتها دولة تابعة، وأن الأرض التى عادت، ظلت منقوصة السيادة منزوعة السلاح؟
من المؤكد أنه بعد ٣٠ عاما على اتفاقية السلام يحتاج الأمر إلى قراءة أكثر هدوءا تتجاوز كل تقسيمات الفشل العربى التى سادت فى ذلك الوقت وقامت على تقسيمات من نوع خونة ووطنيين، ثوار ورجعيين، تقدميين وعملاء، ونظام حكم وقوى وطنية وغيرها، وذلك حتى يمكن التأسيس لمرحلة جديدة تقوم على تنافس ديمقراطى بين المعتدلين (كما مثلهم الرئيس السادات أو سلطة عباس فى فلسطين وبلدان كالمغرب والسعودية وآخرون) مع المتشددين الحقيقيين من قوى وتنظيمات سياسية عربية.
فالمؤكد أن الرئيس السادات كان زعيما وطنيا تمتع بالذكاء والحس السياسى (المغامر أحيانا) دون أن يخلو ذلك من فردية وانفعال، اتخذ خطوة منفردة تمثلت فى التوقيع على اتفاقية صلح منفرد مع إسرائيل استعادت مصر بمقتضاها أرضها المحتلة لكنها فقدت دورها الإقليمى، لأن «فلسفة كامب ديفيد» كانت تقوم على أن مصر قدمت تضحيات كبرى من أجل العرب والقضية الفلسطينية، دفعت فيها من الدماء والأموال الكثيرة، وحان الوقت لكى تتركهم لتحل مشاكلها بعيدًا عنهم.
وعلى عكس ما ردد الخصوم العقائديون لنظام الرئيس السادات، حين اعتبروا أن توجهاته كانت تعبيرًا عن مصر الرسمية وليس الشعبية، فإن الواقع قد أثبت أن هناك تيارًا عريضًا داخل الشارع المصرى (ثم بعد ذلك العربى) أيد تلك الخطوة ورفض الدخول فى أى حرب أو مواجهة عسكرية مع إسرائيل، رغم رفضه الكامل لسياستها العدوانية.
والمؤكد أن معاهدة السلام فرضت قيودًا على دور مصر الإقليمى، ولكن من المؤكد أيضا أنها استسلمت بوداعة تحسد عليها لهذه القيود، وخسرت معركة السلام التى دخلتها عقب الاتفاقية، لأن مشكلة النظام المصرى ليست فى كونه لم ينتقل من معسكر السلام إلى معسكر الحرب غير الموجود بين أى نظام عربى منذ اتفاقية السلام وحتى الآن، إنما فى فشله فى إدارة «معركة السلام» على مدار ثلاثين عامًا هى عمر المعاهدة.
هذا الفشل تواكب معه رواج كثير من الحتميات والرؤى «القدرية» التى اعتبرت أن مصر خسرت معارك التنمية فى الداخل، والدور والمهابة فى الخارج بسبب اتفاقات كامب ديفيد، وأن شروط عودة سيناء كانت تتطلب وجود نظام فاشل فى الداخل، وأن هذا أمر لا يمكن الفكاك منه باعتباره جزءًا من مؤامرة أمريكية صهيونية تجعل التسوية السلمية مرادفًا للفشل والاستسلام.
والمؤكد أنه من الصعب قبول هذا التصور، ورفع مسؤولية الفشل عن الحكم والمجتمع المصرى معا، فمن المؤكد أن كامب ديفيد وضعت قيودا على مصر، ولكنها استسلمت لها بكل هدوء، فرغم أن الغرب قد فرض قيودًا وصكوك استسلام على الدول التى وقعت معه على معاهدات بعد الحرب العالمية الثانية كألمانيا واليابان وغيرهما، وبصورة لا يمكن مقارنتها باتفاقية كامب ديفيد التى وقعتها مصر بمحض إرادتها، ومع ذلك فقد حققت هذه الدول معجزات اقتصادية وسياسية، فيما فشلت مصر فى أن تربح معركة السلام فى النهضة الاقتصادية والإصلاح السياسى.
فلم تجبر إسرائيل وأمريكا مصر على أن تبقى نسبة الأمية فيها٤٠%، ولم توقع معها على بنود سرية لاختزال طموحاتها الكبرى فى التنمية والديمقراطية إلى فشل داخلى وصراع حول مغانم صغيرة، وبناء نمط حكم قائم على عدم احترام القانون والدستور، مبديًا موهبة نادرة فى كيفية وضع قوانين لا يحترمها.
وبدلا من أن تتعلم مصر الحليفة لأمريكا والغرب قيم الجدية والكفاءة، وتستثمر التسوية السلمية فى جلب الديمقراطية والحداثة واحترام حقوق الإنسان، نجد أن الثلاثين عاما التى بلغتها المعاهدة، شهدت تكريسًا لثقافة الفهلوة والتدين المظهرى والفساد، وصار من المستحيل على أى مراقب لأوضاع مصر الداخلية فى السياسة والاقتصاد والثقافة والإدارة أن يفهم كيف تصاعدت هذه القيم فى بلد اختزل طموحاته فى حل المشكلات الداخلية ورفع شعار «مصر أولاً» دون أن يطبقه.
وبقى الخلل الحقيقى ليس فى وجود مدرسة السادات السياسية ورؤيته، إنما فى فشل ورثته الكبير فى تحويل هذه الرؤية إلى نجاح على أرض الواقع، فاتفاقية السلام مثلت فرصة وتحديًا كبيرًا لمصر، فهى من جهة أضعفت من دورها الإقليمى، وجعلتها حاملة لخطاب فردى عزلها عن قطاع مهم من الشارع العربى، ولكنها من جهة أخرى مثلت تحديًا حقيقيًا، وضع مصر أمام فرصة تاريخية لكى تقدم نموذجًا فى التنمية والإصلاح السياسى والاحترام الدولى، ومحدثا (ولأول مرة منذ زمن) تطابقا كاملا بين التحديات السلمية التى تواجهها فى الساحة الداخلية،
وتلك التى اختارتها عقب التوقيع على معاهدة السلام من أجل التسوية السلمية، ورغم ذلك عجزت عن مواجهة هذا التحدى وتعثرت فى معركة السلام، رغم أنه لم يكن مطلوبا منها أن تخوض معركة الحرب، إنما أن تنجح فى الامتحان الذى اختارت بمحض إرادتها أن تضع أسئلته ولكنها فشلت فى الإجابة عن أى من هذه الأسئلة.
amr.elshobaki@gmail.com

الأحد، 1 مارس 2009

فهمي هويدي يكتب: موت السياسة في مصر

الخبر السار أن العديد من الفئات في مصر أصبحت تنتفض وتلجأ إلى الإضراب لكي تضغط على الحكومة دفاعا عن مصالحها، أما الخبر المحزن فهو أن مصالح الوطن لم تعد تجد قوة تغار عليها وتضغط بدورها للدفاع عنها.
1
"مصر تشهد حالة سياسية نادرة. إذ فيها 24 حزبا معترفا بها ولا توجد فيها حياة سياسية. وفيها انتخابات برلمانية وبلدية، ومجلس للشعب وآخر للشورى، ومجالس ثالثة محلية. مع ذلك فلا توجد أي مشاركة سياسية ولا تداول للسلطة ولا مساءلة للحكومة"أصبحت الإضرابات عنوانا ثابتا على جدران مصر. حتى كدنا نسأل من يضرب هذا الصباح؟ بالتالي لم يعد السؤال هل يضرب الناس أم لا، ولكننا صرنا نسأل من عليه الدور ومتى يتم ذلك؟ وهو تطور مهم جدير بالرصد والإثبات.
ففي الأسبوع الماضي شهدت مصر أربعة إضرابات للصيادلة والمحامين وأصحاب وسائقي الشاحنات وعمال شركة جنوب الوادي للبترول. وحسب بيانات المرصد النقابي والعمالي في القاهرة، فإن شهر يناير/كانون الثاني من هذا العام شهد 56 احتجاجا بصور مختلفة، وحتى منتصف شهر فبراير/شباط سجل المرصد 32 احتجاجا.
وقبل ذلك، في عام 2007 شهدت مصر 756 احتجاجا، راوحت بين الإضراب والاعتصام والتظاهر وتقديم الشكايات إلى الجهات المعنية في الحكومة. وهو ما لم يختلف كثيرا في العام الذي أعقبه 2008.
الظاهرة بهذا الحجم جديدة على المجتمع المصري، إذ باستثناء مظاهرات طلاب الجامعات التي عادة ما تقابل بقمع شديد أدى إلى تراجعها في السنوات الأخيرة، فإن التظاهر المعبر عن الاحتجاج والغضب لم يكن من معالم ثقافة المجتمع المصري خلال نصف القرن الأخير على الأقل لأسباب يطول شرحها.
فقد خيم السكون على أرجاء مصر طيلة تلك المدة، فلم نسمع صوتا غاضبا للمجتمع لا في الشأن الخاص لفئاته ولا في الشأن العام للبلد.
وتعد مظاهرات 18 و19 يناير/كانون الثاني التي خرجت في عام 1977 احتجاجا على رفع الأسعار، وتمرد جنود الأمن المركزي في عام 1986 من التجليات الاستثنائية التي تؤيد القاعدة ولا تنفيها.
خلال السنوات الثلاث الأخيرة حدث تحول مهم في حركة المجتمع المصري، إذ في حين لم نكن نسمع له صوتا في الشأن الخاص أو العام، فإننا أصبحنا نسمع أصواتا عدة لفئات فاض بها الكيل ولم تعد تحتمل قسوة الحياة. وهو ما أدى إلى بروز الاهتمام بالشأن الخاص، مع استمرار السكون المخيم المحيط بملف الشأن العام، رغم توالي التحديات التي كانت تستوجب وقفة حازمة من جانب المجتمع.
وقائمة تلك التحديات طويلة، إذ راوحت بين تقنين تراجع الحالة الديمقراطية مع تغول المؤسسة الأمنية، وارتفاع مؤشرات الفساد في السلطة، وبيع الأصول المالية للبلد، واستشراء الهيمنة الأجنبية.. إلخ.
أما لماذا خرجت الفئات المختلفة عن سكونها المعتاد، فرفعت صوتها محتجة وغاضبة في مواجهة الحكومة، فأغلب الظن أن ذلك راجع إلى سببين جوهريين.
أولهما وطأة الضغوط المعيشية التي أثقلت كاهل تلك الفئات، فأفقرت الطبقة الوسطى وسحقت الفقراء، مما دفع أغلب الغاضبين إلى المطالبة بتحسين أحوالهم المادية.
أما ثانيهما فيتمثل في سقوط حاجز الخوف من السلطة سواء لأنه "من طالت عصاه قلت هيبته"، كما يقول المثل العربي، أو بسبب الجرأة التي مارستها الصحف المعارضة والمستقلة في نقد السلطة وفضح ممارساتها، مما شجع آخرين على رفع أصواتهم الغاضبة والمحتجة دون وجل.
2
للشيخ محمد الغزالي مقولة أشرت إليها أكثر من مرة ذكر فيها أن انتهاك شرف البنت يقيم الدنيا ولا يقعدها في مجتمعنا، لكن العدوان على شرف الأمة لم يعد يحرك ساكنا فيها.
وغني عن البيان أنه لم يكن يهون من شأن انتهاك شرف البنت، لكنه كان يستهول السكوت على العدوان على شرف الأمة، مع ذلك فالمقولة تحتاج إلى مراجعة. ذلك أن غضب الأسرة أو المجتمع الذي يحيط بها لأي عدوان على شرف بنتهم أمر طبيعي لا يحتاج إلى تعبئة وتحريض أو احتشاد، فضلاً عن أن وسائل التعبير عن ذلك الغضب تلقائية ومحدودة، وهى بمقدور كل أحد.
"النظام القائم لم يكتفِ باحتكار السلطة فحسب، وإنما عمد أيضا إلى تأميم المجال العام، بحيث لا يعلو صوت في بر مصر فوق صوت الحزب الحاكم"أما الغضب لأجل العدوان على شرف الوطن فإنه يحتاج إلى ترتيب مختلف، فذلك أمر يتطلب تعبئة واحتشادا، فضلاً عن أنه يستوجب توفير أوعية تستقطب طاقات الغضب وتوظفها في الاتجاه الصحيح الذي يرد العدوان. وتلك مهمة القوى السياسية المختلفة التي تمثلها الأحزاب، باعتبار أن النخبة الوطنية هي المسؤولة عن تعبئة الرأي العام وقيادته. وهذه النقطة الأخيرة تجرنا إلى صلب الموضوع الذي نحن بصدده.
ذلك أنه من الطبيعي أن يغضب الناس وأن يخرجوا عن أطوارهم عندما تضيق بهم سبل الحياة، ويتعلق الأمر بمتطلباتهم المعيشية.
ولا ينبغي أن يتوقع أحد منهم أن يتظاهروا من تلقاء أنفسهم دفاعا عن الديمقراطية أو احتجاجا على الفساد أو تزوير الانتخابات أو غير ذلك من قضايا الشأن العام.
وهم إذا فعلوها مرة تحت أي ظرف فإنهم سوف يتفرقون بمجرد ظهور جنود الأمن المركزي بثيابهم السوداء وعصيهم الكهربائية، ولن يعودوا إليها مرة أخرى.
بكلام آخر فإن الدفاع عن القضايا العامة المتعلقة بحاضر الوطن ومستقبله من المهام الأساسية للأحزاب السياسية باعتبارها الأوعية الشرعية الجامعة للقوى الوطنية. إذ يفترض أن تلك الأحزاب لم تكتسب شرعيتها إلا بعد أن طرحت برامجها التي حددت فيها رؤيتها في حراسة الوطن والسهر على استقراره والسعي إلى النهوض به.
وإذا جاز لنا أن نشبه المجتمع بالبشر، فإن الجماهير هي الجسم بكل مكوناته، أما القوى الحية والنخبة السياسية فتشكل الرأس لذلك الجسم. ولا يستطيع الجسم أن يتحرك دون توجيه من الرأس الذي يحتوى على المخ.
أردت من كل ذلك أن أقول إننا نظلم الناس ونحملهم أكثر مما يحتملون حين نتهمهم بالتقاعس عن القيام بواجب هو من مسؤولية الأحزاب السياسية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني. وإذا ما حدث ذلك التقاعس فعلينا أن نتساءل أولا عن وضع الرأس، قبل أن نحاكم استجابات الجسم.
3
إذا حاولنا تنزيل هذه الفكرة على الواقع، فسنجد أن مصر تشهد حالة سياسية نادرة. إذ فيها 24 حزبا معترفا بها ولا توجد فيها حياة سياسية. وفيها انتخابات برلمانية وبلدية، ومجلس للشعب وآخر للشورى، ومجالس ثالثة محلية. مع ذلك فلا توجد أي مشاركة سياسية ولا تداول للسلطة ولا مساءلة للحكومة.
والأحزاب لا تنشأ إلا بموافقة أمنية بالدرجة الأولى، ومن ثم فإنها تكتسب شرعيتها من تلك الموافقة وليس من التأييد الشعبي لها، الأمر الذي وضعنا بإزاء هرم مقلوب، السلطة فيه هي التي تشكل الأحزاب، وليست الأحزاب هي التي تشكل السلطة.
ورغم عملية "الإخصاء" التي تتعرض لها الأحزاب والتي أصبحت شرطا لميلادها، فإنها تتعرض للتكبيل بعد ذلك، بحيث لا يجوز لها -بمقتضى القانون- أن تتواصل مع المجتمع، فتقيم مهرجانا شعبيا أو لقاء جماهيريا خارج مقرها، إلا بعد موافقة الأمن.
لا يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن الأحزاب على ضعفها وقلة حيلتها تظل موضوعة تحت الرقابة طول الوقت. إذ المطلوب منها في حقيقة الأمر، إما أن تظل جزءا من "الديكور" الديمقراطي، فتصبح شكلا بلا وظيفة أو مضمون، أو أن تتحول إلى أجنحة للحزب الحاكم.
وأي خروج عن هذا الإطار يعرض الحزب إما إلى التجميد والمصادرة أو التفجير من الداخل، وما جرى لحزب العمل عبرة للآخرين. ذلك أن الحزب الذي أسسه الراحل إبراهيم شكري أراد أن يمارس دوره بشكل جاد وأن يمثل المعارضة الحقيقية، فصدر قرار تجميده في سنة 2000، وحين تم الطعن في قرار لجنة الأحزاب بالتجميد أمام مجلس الدولة، فإن تقرير مفوض المجلس اعتبر القرار باطلا وغير دستوري وطالب بعودة الحزب، ولكن الحكومة لم تكترث بذلك.
"حين يعلن موت الحياة السياسية فإنه يصبح عبثيا التساؤل عن غيرة الناس على مصالح الوطن، إذ ينبغي أن يشعر هؤلاء بأنهم مواطنون أولا، وأن تعود الحياة إلى الرأس المعطل ثانيا، وأن نكف عن الكذب والخداع ثالثا"ورغم صدور 13 حكما من مجلس الدولة لإعادة إصدار جريدة "الشعب" الناطقة بلسان الحزب، فإن الجهات الأمنية رفضت تنفيذ هذه الأحكام واحدا تلو الآخر.
وإذا كان بوسع الحكومة أن تجمد أي حزب يحاول تجاوز الحدود المرسومة، فإنها لا تعدم وسيلة لتفجير الأحزاب من الداخل وتغذية الانشقاقات فيها، وهو ما حدث مع أحزاب الغد والأحرار ومع حزب الوفد. إذ ثبت أن الانشقاقات التي وقعت داخل تلك الأحزاب لم تكن بعيدة عن أصابع الأجهزة الأمنية.
ما جرى مع الأحزاب تكرر مع النقابات المهنية التي ربط القانون مستقبلها بقرار من رئيس محكمة استئناف جنوب القاهرة، الذي له حق تحديد مواعيد الترشح لمجالس تلك النقابات، بما يؤدي إلى انتخاب رئيس كل نقابة ومجلس إدارتها. وإذا ما امتنع ذلك القاضي عن تحديد المواعيد -بطلب من أجهزة الأمن- فإن النقابة تجمد أو تستمر تحت الحراسة.
نموذج نقابة المهندسين الموضوعة تحت الحراسة منذ 18عاما فاضح في تجسيد هذه الحالة، إذ لأن ثمة قرارا أمنيا بإخضاع النقابة وتأديبها، فإن رئيس المحكمة المذكورة ظل يتهرب من تحديد موعد لانعقاد الجمعية العمومية للنقابة طيلة هذه المدة.
والحاصل مع نقابة المهندسين تكرر مع نقابة أطباء الإسكندرية التي وضعت بدورها تحت الحراسة، ومُنع أعضاؤها من ممارسة أي نشاط بداخلها.
وإلى جانب ذلك فهناك سبع نقابات أخرى جُمدت فيها الانتخابات منذ ١٦ عاما على الأقل، وهى تضم الفئات التالية، الأطباء والصيادلة والأسنان والبيطريين إضافة إلى المعلمين والتجاريين والزراعيين.
الشاهد أن النظام القائم لم يكتفِ باحتكار السلطة فحسب، وإنما عمد أيضا إلى تأميم المجال العام، بحيث لا يعلو صوت في بر مصر فوق صوت الحزب الحاكم، من ثمَّ تطالب كل فعاليات المجتمع وقواه الحية بأن تصبح صدى لذلك الحزب إن لم تنضو تحت لوائه وتَذُبْ فيه.
4
في نهاية المطاف، وبعد 57 عاما من الثورة على النظام الملكي وإعلان الجمهورية أصبح المجتمع المصري جسما بلا رأس، ليس لدي حنين إلى ذلك النظام، لكن ما جرى أن النظام الجمهوري فرغ من مضمونه.
إذ تم اختطافه وإقصاء "الجمهور" منه عبر إضعاف وتصفية خلاياه الحية واحدة تلو الأخرى، في حين تحول الوطن إلى "وقف" سُلمت مقاليده ومفاتيحه إلى فئة بذاتها أدارته وتوارثته جيلا بعد جيل.
الإضعاف والتصفية أفضيا إلى موت الحياة السياسية، مع الاعتذار للجنة السياسات. إذ تم تغييب مختلف المؤسسات المدنية الفاعلة، بحيث لم يبقَ في الساحة سوى المؤسسة الأمنية.
ورغم امتلاء الفضاء المصري بالأحزاب فإنك إذا رفعت عينيك عن الصحف ومددت بصرك في ذلك الفضاء، فلن ترى شيئا، لكنك ستلمح على البعد "خيال مآتة" (الفزاعة باللهجة المصرية) تتقاذفه الرياح كتب عليه "الحزب الديمقراطي"، الأمر الذي قد يجعلك تنفجر بالبكاء أو تستسلم لضحك هستيري يظل صداه يتردد في الفضاء بلا توقف.
حين يعلن موت الحياة السياسية فإنه يصبح عبثيا التساؤل عن غيرة الناس على مصالح الوطن، إذ ينبغي أن يشعر هؤلاء بأنهم مواطنون أولا، وأن تعود الحياة إلى الرأس المعطل ثانيا، وأن نكف عن الكذب والخداع ثالثا، وبعد ذلك نتكلم في الموضوع.