الجمعة، 21 أغسطس 2009



محاكمة مثيرة لقيم المصريين فهمي هويدي


هاتان مفاجأتان مثيرتان. الأولى وفرت لنا شهادة خلت من المجاملة لمؤشرات السير والسلوك في المجتمع المصري. والثانية أنها -للغرابة- صدرت عن مركز تابع لمجلس الوزراء في مصر.
(1)
قليلة في مصر والعالم العربي دراسات القيم السائدة في المجتمع، ليس فقط لأننا نؤثر تضخيم الذات وليس نقدها. ولكن أيضا لأننا -خصوصا حين نتحدث عن التغيير- نتجه بأبصارنا إلى السلطة بأكثر مما نرصد واقع المجتمع. ولست أجادل في أهمية ومركزية دور السلطة خصوصا في مصر. لكنى أتحفظ على التهوين من شأن متابعة متغيرات المجتمع، بحيث لم نعد نعرف الناس مع ماذا أو ضد ماذا.
ويبدو الأمر مفارقا حين يكون هذا مبلغ علمنا، في حين نعرف الكثير عن اتجاهات الرأي العام في بلد مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإنجلترا، بما يحيطنا علما بموقف مجتمعات تلك الدول إزاء مختلف القضايا العامة ومدى شعبية حكامها، كل أسبوع أو شهر. في حين كل ما نعرفه عن بلادنا أن "كله تمام". وأن شعبية حكامنا في عنان السماء طوال الوقت.
"قليلة في مصر والعالم العربي دراسات القيم السائدة في المجتمع، ليس فقط لأننا نؤثر تضخيم الذات وليس نقدها, ولكن أيضا لأننا نتجه بأبصارنا إلى السلطة بأكثر مما نرصد واقع المجتمع"في حدود علمي فإن دراسة تطور السلوكيات والقيم السائدة في مصر عمرها خمسون عاما تقريبا، وأن أول من أجرى بحثا في هذا الموضوع كان الدكتور محمد إبراهيم كاظم رحمه الله، الذي كان أستاذا بكلية التربية آنذاك. إذ أجرى بحثه وقتذاك على قيم شباب الجامعات. وبعد عشر سنوات تابع دراسته على عينة أخرى من شباب الجامعات لرصد اتجاهات التغيير في سلوكياتهم وتطلعاتهم.
وكنت قد عرضت لنتائج هذه الدراسة في حينها، لكنى لا أعرف أن أحدا اعتنى بها. وأرجح أنها انضمت إلى غيرها من الأبحاث التي تجرى ثم تحفظ في خزائن الكتب بعد ذلك. وهو ذات المصير الذي لقيته دراسات أخرى لاحقة حول الموضوع.
لأن الأمر لم يكن مأخوذا على محمل الجد من جانب الحكومة، فقد استغربت أن يتبنى مركز المعلومات ودعم القرار بمجلس الوزراء البحث الذي أعده مركز الدراسات المستقبلية حول الموضوع. واستغربت أكثر مدى الجرأة التي اتسم بها البحث، الذي حاول أن يجيب عن عدة أسئلة مثل: ماذا حدث للإنسان المصري؟ وما مواطن الخلل في سلوكه ومنظومة قيمه؟ وما السبيل إلى علاجها؟. وفهمت من مقدمته المنشورة أنه أجري في إطار الرؤية المستقبلية لمصر عام 2030، باعتبار أن نجاح تلك الرؤية يقتضى التعرف على طبيعة القيم السائدة بإيجابياتها وسلبياتها. دعك الآن مما إذا كان ذلك سيحدث أم لا. ولا تسأل عن مصير الدراسة بعد رحيل الحكومة الحالية، لأن الأهم هو أن الشهادة التي حاكت سلوك المصريين أصبحت بين أيدينا. وأن فيها ما يستحق القراءة والرصد.
(2)
في الخمسينيات سادت قيم العدالة الاجتماعية والمساواة. هذه هي الخلاصة التي انتهى إليها البحث في رصده لتطور قيم المجتمع المصري منذ منتصف القرن الماضي، مشيرا إلى أن التوسع في التعليم ساعد على إزالة الحواجز الفاصلة بين الطبقات الاجتماعية، خصوصا في ظل مجانية التعليم الجامعي التي تمت على يد الدكتور طه حسين، والتي فتحت الباب واسعا لتحسين أوضاع الطبقات الدنيا. وهذا التحسن قطع شوطا أبعد في ظل المرحلة الناصرية. التي بدأت بقيام ثورة يوليو سنة 1952. ذلك أن الخطوات الإصلاحية التي اتخذت على المستويات الاقتصادية والاجتماعية، التي بدا فيها تحيز السلطة للطبقات المتوسطة والفقيرة، أدت إلى خلخلة مواقع الطبقات الاجتماعية بصورة نسبية، مما دفع بقيم العدالة الاجتماعية والمساواة إلى صدارة منظومة القيم السائدة.
تغير الحال في السبعينيات والثمانينيات. وكان ذلك في صالح الإسراع بمعدل الحراك الاجتماعي. إذا اختلفت سياسة الدولة من التقييد إلى الانفتاح. ومن التدخل في شؤون الاقتصاد إلى الانفراج والحرية. مما ساعد على بروز قيم الفردية والأنانية. (هكذا ذكر البحث). مضيفا أنه في تلك الفترة برزت قنوات أخرى ساعدت على حدة الصعود والهبوط للطبقات الاجتماعية. فظهرت الشركات الانفتاحية والبنوك الخاصة ومكاتب التصدير والاستيراد، والمكاتب الاستشارية الأجنبية. وأصبح العمل في خدمة كل ما هو أجنبي طموحا وتميزا، ليس فقط على المستوى الرسمي (من قبل الدولة) بل أيضا على مستوى الثقافة الشعبية. وهو ما أدى إلى ظهور مؤشرات للتميز الاجتماعي استصحبت اتجاها إلى استخدام لغة الأجنبي وعاداته. في الوقت ذاته زادت طموحات الأفراد، واتجهت الأنظار نحو البحث عن جميع الوسائل الشرعية وغير الشرعية للعمل في القطاع الخاص والأجنبي، الذي يدر دخلا أعلى ومكانة أرفع. مما ساعد على ظهور قيم التملق والنفاق وإحلال الولاء محل الكفاءة في العمل.
"المعدل غير المسبوق في الحراك الاجتماعي في مصر أحدث تقلبات عنيفة في المركز النسبي للطبقات، كما أحدث خللا في القيم السائدة تجلى في انتشار الرموز الطبقية, والاندفاع في الاستهلاك, وانتشار الاستثمار غير المنتج, وضعف التمسك بالأخلاق"تلك المرحلة شهدت هجرات واسعة من جانب العمال والحرفيين المصريين إلى دول النفط، مما أدى إلى تراجع قيم الاستقرار وهيبة الغربة. وأسهمت الهجرات في زيادة دخول فئات كثيرة، سعت إلى تغيير مراكزها في السلم الاجتماعي، مما أدى إلى زيادة حدة الطموح الاستهلاكي. وحرص هؤلاء على إثبات التميز الاجتماعي. وساعد ذلك على ظهور المباهاة الاجتماعية والنَّهم في اقتناء الغالي والثمين. كما ساعد على بروز التعالي والأنانية حين زادت السيولة النقدية بمعدل أكبر من الزيادة في السلع والخدمات. وهو ما عمَّق ذلك من التضخم الانفتاحي الذي أدى إلى ظهور شرائح جديدة مثل: ملاك العقارات الجدد وأصحاب الملكيات الزراعية وأرباب الصناعة وتجار الجملة وأصحاب مكاتب التصدير والاستيراد.
وهؤلاء تقاطعوا مع شرائح أخرى كانت تنتمي إلى الطبقات الدنيا، مثل الحرفيين وعمال البناء والعمال الزراعيين، الذين أفادوا من ندرة العمل الناجمة عن الهجرة. هذا المناخ أسهم في ظهور الفساد بأشكاله المختلفة، وعلت قيمة الشطارة وانتهاز الفرص. وتنمية العلاقات الشخصية بأصحاب النفوذ. وهانت فضائل احترام الكلمة والتمسك بالكرامة الشخصية، وظهور أنواع جديدة من الجرائم كانهيار العمارات حديثة البناء وشيوع الرشوة وقتل الوالدين.. إلخ.
هذا المعدل غير المسبوق في الحراك الاجتماعي أحدث تقلبات عنيفة في المركز النسبي للطبقات، كما أحدث خللا في القيم السائدة تجلى فيما يلي: انتشار الرموز التي تدل على الصعود الطبقي "المظهرية"، الاندفاع في الاستهلاك، انتشار الاستثمار غير المنتج الأسرع في العائد والأقل في المخاطرة، التهرب من الضرائب لعدم الثقة في أداء السلطة، ضعف التمسك بالأخلاق، وتقدم قيم الشطارة والفهلوة واهتبال الفرص، تفكك روابط الأسرة بسبب الحرص على الكسب السريع وتنامي التطلعات الطبقية، ذيوع التغريب والتعلق بما هو أجنبي في المظهر والسلوك تغير المناخ الثقافي وتدهور لغة الخطاب التي دخلت عليها العامية المبتذلة، والمفردات الإنجليزية.
(3)
بهذه الهيئة المثيرة للقلق والرثاء، دخل المواطن المصري في حقبة التسعينيات، التي رصد فيها البحث متغيرات في القيم والسلوك أختزلها فيما يلي:
* انتفاء قيمة الخير والحب. إذ أصبح الخير والسعي إليه والعمل على تحقيقه سواء للذات أو للآخرين من الأمور النادرة. وكأنه أصبح معقودا على الذات فقط. فكل شخص يتمنى الخير لنفسه ولذويه فقط. فإذا كان بمقدوره أن يساعد الآخرين فيه ويوفره لهم، ضن به وبخل عن تقديمه حتى لا ينعم الآخرون به.
* تراجع قيمة الإحساس بالأمان والطمأنينة. ففي عهد عبد الناصر كان ميل المصري للطمأنينة قويا، لاعتماده على شخصه وعلى الدولة التي وفرت له كل شيء. وفي عهد السادات بدأ القلق والاكتئاب يتسربان إليه. واستمر ذلك خلال الثمانينيات والتسعينيات وحتى اليوم. إلى أن لوحظ أن المصري أصبح مسكونا بالانفعالات المختفية تحت بعض الصمت والسكينة، الأمر الذي يعبر عنه بالمجاملة حينا وبالنفاق حينا آخر. وانتهى الأمر به أن هرب إلى الغيبيات. حيث الطمأنينة المزيفة، وامتزجت عنده روح الفكاهة بالاكتئاب. حتى أصبحت الفكاهة تعبيرا عن المرارة والسخرية وليس عن المرح.
* انتفاء قيمة العدالة. فعلا شأن لاعبي الكرة والفنانين، في حين تراجعت حظوظ المفكرين والعلماء، وغابت العدالة الوظيفية بسبب المحسوبية، والعدالة السياسية جراء تزوير الانتخابات، والعدالة الاقتصادية بسبب الرشوة والفساد، والعدالة الاجتماعية بسبب تصعيد المنافقين والمؤيدين وكتاب السلطة. ومن ثم باتت قيم النفاق والوصولية والنفعية والتواكل والصعود على أكتاف الآخرين هي الصفات الغالبة. وغدا التفاني في العمل أو العلم والابتكار وتعليم الأجيال من الأمور غير المرحب بها.
"غابت عن المصريين العدالة الوظيفية بسبب المحسوبية، والعدالة السياسية جراء تزوير الانتخابات، والعدالة الاقتصادية بسبب الرشوة والفساد، والعدالة الاجتماعية بسبب تصعيد المنافقين والمؤيدين وكتاب السلطة"* تراجع القدوة. إذ أصبح الناس يفتقدون النموذج الذي يقتدون به، خصوصا في ظل انتشار أخبار فساد أصحاب المناصب العليا والزعماء السياسيين والروحيين، ولأن المصري مرتبط منذ عصور الفراعنة بفكرة الشخصية «الكاريزمية» الموحية والمؤثرة، فإن شيوع تلك النماذج كان له تأثيره السلبي المباشر على قيم الأجيال الجديدة.
* تراجعت قيم العلم وازداد احتقار اللغة، كما تراجع التفكير العلمي، ومعهما تراجعت قيمة العمل، الذي أصبح مقصورا إما على أصحاب الواسطة أو خريجي الجامعات الأجنبية. وإزاء انتشار الفساد تراجعت قيمة الأمانة وشاع التسيب واللامبالاة.
* تراجعت قيمة الأسرة التي أصبحت تواجه خطر التفكك، في ظل غياب التراحم، وزيادة مؤشرات الفردية والأنانية والاستغراق في المظهرية والتطلعات الشخصية.
* تراجع قيمة الانتماء للوطن، إذ أصبح المواطن المصري جزيرة منعزلة مستقلة عن الوطن، يشعر بوحدة غريبة، وانكفاء على الذات. وذلك نتيجة لإقصائه عن أي مشاركة، إضافة إلى أنه لم يعد يشعر بأن الدولة تحتضنه وترعاه. ولذلك لم يعد غريبا أن تتزايد معدلات الهجرة إلى الخارج، وأن يغامر الشباب بالتسلل عبر الحدود والتعرض لمخاطر ركوب البحر واحتمالات الغرق، لكي يصلوا إلى الشواطئ الأوروبية التي يحلمون بأن يحققوا بعض أحلامهم على ضفافها.
(4)
في الدراسة كلام آخر عن التحولات التي طرأت على الشخصية المصرية خلال العقود الأخيرة، بسبب التحولات الجذرية التي طرأت على بنية المجتمع. فأصبحت أكثر سلبية وعدوانية، وصارت أقل ثقة بالنفس وأكثر اعتمادا على الآخرين. ولجأت إلى تضخيم الذات والمبالغة في التعبير عن المشاعر. كما تميزت بالتمركز حول الذات وعدم المثابرة، مع الاستسلام للحماس المؤقت والانفعال وردود الأفعال.
أيا كان رأيك في هذا الكلام، فلا بد أن تقدر شجاعة الباحثين الذين أعدوا الدراسة ولم يترددوا في نقد الذات وتسليط الأضواء على عيوب المجتمع بغير مجاملة أو تسويف.
الملاحظة الأخرى المهمة أن مؤشرات الدراسة تعطي انطباعا قويا بأن منظومة القيمة في المجتمع المصري تتدهور حينا بعد حين، الأمر الذي يجعل شعار الحزب الوطني في مؤتمره الأخير "مصر بتتقدم بينا" بمثابة شائعة كاذبة فضحتها الدراسة.
أما ملاحظتي الأخيرة فهي أن بعض المثقفين كانوا يتندرون قائلين إن تغيير الشعوب في العالم العربي أصعب من تغيير الأنظمة والحكومات. والتقرير أثبت أن هذه المقولة لم تعد مزحة، وإنما صارت حقيقة ماثلة أكدتها شهادات توزعت على 160 صفحة بالتمام والكمال.
لقد تغيرنا كما رأيت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ولكن نظامنا حماه الله لا يزال ثابت القدم. لم يتغير فيه شيء. لا في شخوصه ولا في عقليته أو أساليبه. وإزاء إصرار الحزب الحاكم على أننا "نتقدم" فلا أعرف كيف يمكن أن نقنع قيادته بأننا لم نعد نحتمل مزيدا من هذا التقدم، حتى صرنا نحلم بيوم نذوق فيه طعم التخلف!.
المصدر:
الجزيرة

الاثنين، 3 أغسطس 2009

هل ما تزال ثورة يوليو تصلح عيداً وطنياً لمصر؟
د. عبدالله الأشعل
لكل دولة عيدها القومى. فالعيد القومى أو اليوم الوطنى للسعودية هو تاريخ قيام المملكة عام 1933، واليوم الوطنى فى دول الخليج الأخرى هو يوم إعلان الاستقلال عن بريطانيا. أما اليوم الوطنى لإسرائيل فهو يوم نكبة فلسطين، فهو اليوم الذى قامت فيه إسرائيل على جثة الفلسطينيين. واليوم الوطنى لفرنسا هو الثورة الفرنسية، كما أن اليوم الوطنى للولايات المتحدة هو يوم إعلان الولايات المتحدة ودستورها وهكذا بالنسبة لجميع دول العالم. وفى مصر أصبح يوم قيام الثورة هو عيدها الوطنى، ولا مانع من الاحتفال بعد ذلك بعدد آخر من الأعياد مثل نصر أكتوبر ورمضان، وثورة مايو التى كانت مصر السادات تحتفل بها باعتبارها نصرا للسادات على الجناح الناصرى الذى أبدى عدم التعاون معه.
لدينا أيضاً تاريخ اتفاقية الجلاء وتاريخ إعلان الجمهورية. ونظرا لتعقد فصول التاريخ المصرى فإن تاريخ إبرام اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن مصر ليس هو تاريخ الاستقلال كما هو مألوف فى دول أخرى، لأن بريطانيا ادعت أن مصر قد أصبحت دولة مستقلة ذات سيادة عام 1922 رغم أنها لم تتمتع بأى قسط من السيادة أو الاستقلال تماماً كما تفعل واشنطن الآن مع العراق، ولذلك قد لايصلح هذا التاريخ عيدا وطنياً لمصر. أما إعلان الجمهورية والانتصار على الملكية وإزالتها، فقد سمح تاريخ مصر المعاصر للمراقبين بأن يترحموا على أشياء أساسية فى العصر الملكى أهمها حساسية الحكم لاتجاهات الرأى العام،وحساسية الحكومات اتجاه النقد فضلاً عن أن عدم تداول السلطة بطريقة سلميه وعدم محاسبة القيادة السياسية طمس أى فارق بين النظام الملكى والنظام الجمهورى.
ولاشك أن 6أكتوبر فى ذاته له دلالة حاسمة فى قرار التحرير من الغصب السياسى والنفسى قبل الغصب الإقليمى للعدو الإسرائيلى، وسيظل دلالة هذا اليوم كذلك، كما تظل دلالة الانتصار فى معركة طابا القانونية. والحق أن ثورة يوليو قد انتهت بنهاية جمال عبد الناصر، حيث ماتت عام 1967 أو فى أحسن الفروض دفنت مع عبدالناصر عام 1970، وهى مجرد محطة فى تاريخ مصر الحديث لابد من الاعتزاز بها رغم أخطاء قادتها، ولكن الخطر هو أنها فتحت الباب للاحتفال السنوى بها وقد انعكست تماما كل المبادئ التى طالبت بها وسارت مصر فى الاتجاه المعاكس لهذه المبادئ. وإذا كانت ثورة يوليو قد ولدت فى رحم الهزيمة الأولى أمام المشروع الصهيونى فى فلسطين عام 1948 أى أن الثورة هى المعادل العربى لهذا المشروع، فإن هزيمة هذا المشروع لهذه الثورة عام 1967 قد سمح بأن يحضر رموز المشروع الصهيونى احتفال السفارة المصرية فى إسرائيل بذكرى الثورة، فهل حضروا ذكرى ثورة يوليو التحريرية من كل قيد على سيادة مصر وقيادتها للعالم العربى، أم حضروا الذكرى السنوية لوفاة هذه الثورة، وكان الأولى والحال كذلك أن يقيم نتانياهو هذه الذكرى وأن يدعو فيها السفير المصرى احتفاء بهذه المناسبة السعيدة التى أصبح الخطاب السياسى المصرى يتحدث عن إسرائيل بصفتها حليفاً، وسوف يضيق المقام عن تعداد أمثلة ذلك مما يجب ألا يغيب عن فطنة المؤرخين المعاصرين,
لكن يكفى أن نشير إلى تصريح فى يونيو 2009 لنتانياهو يؤكد فيه أن إسرائيل سحقت مصر عام 1973 خلال عدوان مصر "الغادر" على إسرائيل يوم عيدها فى يوم الغفران ولذلك زحفت مصر المهزومة والمسحوقة على ركبتيها طلباً للسلام مع إسرائيل وهذا هو درس بليغ كما يقول نتانياهو وهو أن السلام مع الفلسطينيين لابد أن بسبقه سحقهم حتى يطلبوا السلام وهم ضارعون خاشعون، لأن السلام فى المنطق الصهيوني لاتصنعه إلا القوة والنصر على العدو وليس المداولات والصياغات والوساطات العقيمة التى لابد أن تعكس ميزان القوة المائل دانما لصالح إسرائيل. هذا التقييم الصهيونى لحرب 1973 لايمنع شهادة شارون فى مذكراته لصالح الجيش المصرى الذى أتيح له أن يخوض حرباً حقيقية فى ذلك العام لأول مرة فى تاريخه المعاصر.أليس غريباً أن يرفع الناس فى مصر والعالم العربى حتى الآن صور عبدالناصر ويحتفل القوميون بثورة يوليو التحررية فى عودة إلى الماضى هروباً إليه من الحاضر؟ أليس فى ذلك رسالة قبل أن يرفع الستار ويصدر التاريخ حكمه القاسى؟.

السبت، 1 أغسطس 2009

شبح حرب المياه يقترب من دول حوض النيل

الأصابع الصهيونية والأمريكية في لعبة مياه النيل!
محمد جمال عرفة
بفشل اجتماعات وزراء دول حوض النيل العشر في الإسكندرية، يقترب شبح حرب المياه من منطقة النيل، ويوشك أن يظلل سماء المنطقة بالسواد، لأن مواقف دول منابع النيل ودول المصب لا تتزعزع خطوة واحدة، والمهلة التي أعطيت لمدة ستة أشهر للتوصل لاتفاق تعد مجرد محاولة لتفادي هذه الحرب القادمة.
وبعد ستة أشهر بالضبط، وتحديدا في يناير 2010، عندما تنتهي مهلة الـ 6 أشهر للتوصل لاتفاق إطاري لكل دول النيل، قد نشهد طبول حرب خطيرة غير عادية في منطقة النيل تهدد الحياة، لأن مصر لن تقبل بأي حال من الأحوال أن يمس أمنها المائي الذي هو الخط الأول في منظومة الأمن القومي المصري.
اجتماعات الإسكندرية الأخيرة التي انتهت الثلاثاء الماضي لم تتطرق لتفاصيل الخلاف بين دول منابع النيل ودول المصب، واقتصرت على مناقشة المشروعات المشتركة وجس النبض بشأن احتمالات تنازل أي من الفريقين عن مطالبه وجاءت المحصلة محبطة، لتؤكد تشدد كل طرف في موقفه خصوصا القاهرة التي تعتبر الأمر مسألة حياة أو موت؛ مما يتطلب تدخلا على أعلى مستوى وربما لقاء قمة بين قادة دول حوض النيل لنزع فتيل الانفجار.
قصة الأزمة
وقد تصاعدت أزمة المياه الحادة هذه منذ بداية شهر مايو الماضي بين دول حوض النيل الإفريقية الـ 10 بسبب مطالب قديمة لدول منابع النيل السبع بإعادة توزيع أنصبة مياه النيل المقسمة في اتفاقية عام 1929، والتي تعطي لمصر بموجبها 55.5 مليار متر مكعب من المياه، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت حروب المياه قد بدأت مبكرا في المنطقة، فضلا عن سر تحريك هذه المطالب الآن، ومن يقف وراء إثارتها.
فخلال لقاء وزراء المياه في كينشاسا بالكونغو، 21 مايو 2009، كان مقررا وضع الترتيبات النهائية لاتفاقية إطارية بين دول حوض النيل بدلا من الاتفاقيات الثنائية الحالية، لكن مصر فوجئت أن الاتفاقية خلت من النص على حقوقها المائية السابقة، وأعطت دول المصب الحق في بناء ما تشاء من سدود ومشاريع قد تحجب المياه عن مصر، ولذلك رفضت توقيع هذا "الإطار القانونى والمؤسسي لمياه النيل"، وبدأت القاهرة تغير من لهجتها من اللين إلى الشدة، وانعكس هذا على التغيير الوزاري المفاجئ لوزير الموارد المائية.
ولم ينص الإطار القانوني والمؤسسي الذي طرحته دول المنبع على حصة مصر من المياه أو حقها في الفيتو لو أقامت أية دولة منشآت على النيل تعوق وصول المياه، ولذلك طالبت مصر أن تتضمن الاتفاقية في البند رقم (14 ب) الخاص بالأمن المائي نصاً صريحاً يتضمن عدم المساس بحصة مصر من مياه النيل وحقوقها التاريخية في مياه النيل وأن ينص على الإبلاغ المسبق عن أي مشروعات تقوم بها دول أعالي النيل.
واشترطت مصر أيضا للتوقيع على هذا الاتفاق ضرورة تعديل البند رقم 34 أ و34 ب بحيث تكون جميع القرارات الخاصة بتعديل أي من بنود الاتفاقية أو الملاحق بالإجماع وليس بالأغلبية، وفي حالة التمسك بالأغلبية؛ فيجب أن تشمل الأغلبية دولتي المصب (مصر والسودان) لتجنب عدم انقسام دول الحوض ما بين دول المنابع التي تمثل الأغلبية ودولتي المصب اللتان تمثلان الأقلية.
وحلاً للمشكلة اقترحت دول المنابع السبع أن يتم وضع البند الخاص بالأمن المائي رقم 14 ب في ملحق للاتفاقية وإعادة صياغته بما يضمن توافق دول الحوض حوله خلال ستة أشهر من تاريخ توقيع الاتفاقية وإنشاء هيئة حوض النيل المقترحة في اتفاقية، ولكن مصر رفضت هذا المقترح وطرحت بدلا منه صيغة توافقية، وفشل الاجتماع لتمسك كل طرف بموقفه، وتكرر هذا الفشل في اجتماع الإسكندرية في 28 يوليو 2009؛ فتقرر إعطاء مهلة ستة أشهر للتوافق.
وكي لا يتيه القارئ في تفاصيل غامضة، نشير لأن القصة كلها ترجع إلى اتفاقية 1929 التي أبرمتها بريطانيا باسم مستعمراتها في شرق إفريقيا مع مصر، وهي حددت نصيب مصر من مياه النيل بـ 55.5 مليار متر مكعب، وألزمت دول منابع النيل وبحيرة فيكتوريا بعدم القيام بأي مشاريع مياه بدون موافقة مصر، وتمنح هذه الاتفاقية مصر حق النقض "الفيتو" على أي مشروع بشأن مياه نهر النيل من شأنه التأثير على منسوب مياه النيل التي تصل إلى مصر، باعتبارها دولة المصب.
والجديد هو أن دول المنبع الإفريقية –التي تنبع مياه النيل من أراضيها وتصب في مصر والسودان– بدأت تطالب منذ عام 2004 بحقها في إقامة مشاريع سدود وجسور على مسار النيل بحجة توليد الكهرباء والزراعة الدائمة بدل الزراعة الموسمية، وتطالب بتوقيع اتفاق جديد بخلاف اتفاق 1929 بدعوى أن من وقع الاتفاق هو بريطانيا التي كانت تحتل أوغندا وإثيوبيا وبقية دول منابع النيل، وظهر أن وراء هذه التحركات الإفريقية أصابع أمريكية وصهيونية للضغط على كل من مصر والسودان.
وقد وصل الأمر لحد قول وزير الثروة المائية التنزاني "إن بلاده ستمد أنابيب بحوالى 170 كيلو مترا من بحيرة فيكتوريا لتوصيلها إلى حوالي 24 قرية وأجزاء واسعة في الشمال الغربي لبلاده تتعرض لأزمة المياه والجفاف"، وأنها (تنزانيا) لا تعترف باتفاقية مياه النيل التي تعطي الحق لمصر على أن توافق أو لا توافق على أي مشروع يقترحه أي طرف من أطراف دول حوض النيل للاستفادة من المياه قائلا أنه اتفاق "لا يلزم بلاده، وأنها لن تلتزم بهذا الاتفاق وستمضي قدما في إنشاء مشاريعها دون استشارة مصر".
ومع أن الهدف من اجتماع الإسكندرية الأخير كان التغلب على الخلافات التي ظهرت في اجتماع كينشاسا بالكونغو في مايو الماضي الذي رفضت فيه مصر توقيع الاتفاقية؛ فقد فشل هذا الاجتماع أيضا في التقريب بين وجهتي نظر الطرفين.
ثلاثة خطوط حمراء
ووفقا لمصادر حكومية مصرية، فقد سعت دول منابع النيل -في الاتفاقية الإطارية التي رفضتها مصر– لتغيير ثلاثة خطوط حمراء ترفض مصر بشدة تغييرها هي:
1 ـ تغيير عبارة "موافقة بقية الدول" التي تعني ضرورة موافقة باقي دول النيل على أي مشاريع على النيل (خصوصا موافقة مصر) بعبارة "إخطار عند إقامة أي مشروعات جديدة في إحدى دول الحوض" التي تعني مجرد إخطار مصر بأي مشاريع سدود دون أن يكون لها حق الفيتو وفق الاتفاقيات القديمة.
2 ـ تغيير كلمة "الأغلبية" التي تعني ضرورة موافقة دولتي المصب (مصر والسودان) بكلمة "الإجماع التي تعني موافقة 7 دول هي دول المنبع على أي مشاريع وتجاهل موافقة دولتي المصب فقط!.
3 ـ تغيير عبارة "إنشاء سدود لتوليد الكهرباء"، التي تعني السماح فقط لهذه الدول ببناء سدود لتوليد الكهرباء تمر منها المياه لمصر، إلى عبارة أخرى صريحة تقول: "إنشاء سدود لصرف أو حجز مياه"!.
وقد اعترضت القاهرة على هذه التعديلات واعتبرتها "لاءات ثلاثة" لا يجوز التنازل عنها.
أصابع صهيونية وأمريكية!
والحقيقة أن هناك أصابع صهيونية وأمريكية تشجع دول منابع النيل على المضي في خططها التي ستضر مصر، من خلال عروض قدمتها شركات صهيونية وأمريكية لتمويل مشاريع المياه الإفريقية التي تعارضها مصر لأنها ستنقص من حصتها المائية، وأثبت هذا وزير الموارد المائية المصري السابق الدكتور محمود أبو زيد في تصريح له يوم 11 مارس الماضي عندما حذر في بيان له حول أزمة المياه في الوطن العربي ألقاه أمام لجنة الشئون العربية من تزايد النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في منطقة حوض النيل من خلال "السيطرة على اقتصاديات دول الحوض وتقديم مساعدات فنية ومالية ضخمة"، بحسب تعبيره!.
والجديد في هذا التدخل الصهيوني الأمريكي هو طرح فكرة "تدويل المياه" أو تدويل مياه الأنهار من خلال هيئة مشتركة من مختلف الدول المتشاطئة في نهر ما، والهدف من ذلك هو الوقيعة بين مصر ودول حوض النيل. وقد ألمح وزير الموارد المائية المصري السابق الدكتور أبو زيد في فبراير 2009 إلى وجود مخطط إسرائيلي – أمريكي للضغط على مصر لإمداد تل أبيب بالمياه بالحديث عن قضية "تدويل الأنهار"، وأكد أن إسرائيل لن تحصل على قطرة واحدة من مياه النيل.
إسرائيل.. الدولة رقم 11 في النيل!
وتكمن خطورة الخلاف الحالي بين دول منابع النيل ودول المصب في تصاعد التدخل الصهيوني في الأزمة عبر إغراء دول المصب بمشاريع وجسور وسدود بتسهيلات غير عادية تشارك فيها شركات أمريكية، بحيث تبدو الدولة الصهيونية وكأنها إحدى دول حوض النيل المتحكمة فيه أو بمعنى آخر هي الدولة "رقم 11" في منظومة حوض النيل. والهدف بالطبع هو إضعاف مصر التي لن تكفيها أصلا كمية المياه الحالية مستقبلا بسبب تزايد السكان، والضغط على مصر عبر فكرة مد تل أبيب بمياه النيل عبر أنابيب، وهو المشروع الذي رفضته مصر عدة مرات ولا يمكنها عمليا تنفيذه حتى لو أردت لأنها تعاني من قلة نصيب الفرد المصري من المياه، كما أن خطوة كهذه تتطلب أخذ إذن دول المنبع!. فالدولة الصهيونية تطمح في أن يكون لها بصورة غير مباشرة اليد الطولى في التأثيــر على حصة مياه النيل الواردة لمصر، وبدرجة أقل السودان؛ وذلك كورقة ضغط على مصر للتسليم في النهاية بما تطلبه إسرائيل. وهناك عشرات الوثائق الصهيونية التي ترصد هذا الدور الإسرائيلي في السعي لحصار مصر إفريقياً ومائياً والتحرك مع دول منابع النيل، وهو دور أفلحت فيه تل أبيب ليس لمهارتها وإنما لغياب الدور المصري عن إفريقيا بعكس ما كان عليه في الستينات والسبعينات من القرن الماضي!
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

فى الاستعباط السياسى فهمي هويدي


هذه صدفة خير من أى ميعاد. إذ فى اليوم الذى نشر لى فيه تعليقى على ظاهرة التدخل الرسمى فى نتائج الامتحانات لرفع نسبة الناجحين، أعلنت نتائج استطلاع الرأى الذى أجراه الحزب الوطنى فى مصر. ولم تخيب النتائج الظن والرجاء. وإنما جاءت مؤكدة على أن الحزب أمتن مما نتصور وأن الإعلام المصرى «زى الفل»، وأن أغلب المتفائلين بمستقبل البلد ــ امسكوا الخشب ــ هم من الفقراء والمطحونين والأميين (!). ليس فيما ذكرته شىء من الهزل والمبالغة. لأن بعض صحف الأربعاء 29/7 نشرت هذه المعلومات على صفحاتها الأولى باعتبارها خبرا مهما، هلل له حملة المباخر قائلين ما معناه هكذا تكون الاستطلاعات وإلا فلا. أما الصحف «المستقلة» فلم ألحظ أنها أوردته ضمن رسومها الكاريكاتورية أو فى باب العجائب والطرائف، ولا حتى تحت عنوان «صدق أو لا تصدق». وإنما قالت الصحف بكل جدية إن المجلس الأعلى للسياسات بالحزب الوطنى عقد اجتماعا برئاسة جمال مبارك. وفيه تمت مناقشة نتائج استطلاع الرأى الذى أجراه الحزب وتناول أداء الحكومة والشأن السياسى العام. ومن النتائج التى أثارت الانتباه فى الكلام المنشور أنه فى الإجابة على سؤال تعلق بثقة المواطنين فى الأحزاب كانت النتيجة كالتالى: الحزب الوطنى احتل المرتبة الأولى ووصلت نسبة الواثقين فيه إلى حوالى 58٪. أما حزب الوفد فإن حظه من الثقة لم يتجاوز 4٪، وحزب التجمع «فاز» بنسبة 3٪. أما المستقلون (الذين يدخل فيهم الإخوان) فلم تزد نسبة الثقة فيهم على 2٪. من النتائج التى لفتت الانتباه أيضا فى ذلك الاستطلاع أن نسبة عالية من المتفائلين بمستقبل البلد (64٪) ينتمون إلى طبقة الفقراء والأميين فى مصر. هذه النتائج تثير على الفور السؤال التالى: إذا كان الحزب الوطنى بهذه القوة والمتانة فى الشارع المصرى، فلماذا يستعين بالأمن وبجهاز الإدارة للتزوير وترهيب المنافسين فى الانتخابات النيابية والمحلية، وإذا كانت تقارير اللجنة العليا للانتخابات، والدراسات التى أصدرها المتخصصون فى مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام قد أكدت أن نسبة التصويت للحزب الوطنى فى انتخابات مجلس الشعب لسنة ألفين كانت 38٪، وإن هذه النسبة تراجعت فى انتخابات عام 2005 بحيث لم يتجاوز 32.5٪، فكيف يقال فى 2009 إن نسبة الثقة فى الحزب فى حدود 58٪؟ عندى تفسير من واقع الخبرة العملية التى أكدتها معلومات مقالتى التى تصادف نشرها فى نفس اليوم. خلاصة ذلك التفسير أن النسبة كانت كما هى عليها فى الانتخابات الأخيرة، ولكن الذى حدث أن القائمين على أمر الاستطلاع رفعوها إلى 58٪. ذلك أنه إذا كان من أهل السلطة من تجرأ ورفع نسبة النجاح فى الثانوية العامة، وإذا كان أحد العمداء لم يتردد فى رفع نسبة نجاح طلاب الهندسة من 60 إلى 80٪، فما الذى يمنع من رفع نسبة الثقة فى الحزب الوطنى من 32 إلى 58٪؟ وألا يعد ذلك إعمالا للعرف السائد والتزاما بالتقاليد المرعية فى الشأن العام؟ ربما اعتبر الذين حددوا تلك النسبة أنهم تواضعوا وجعلوها 58٪ فقط. رغم أن البلد كله مرهون للحزب ومكتوب باسمه. ولكن ذلك التفاوت الهائل بين حظ الحزب وحظوظ الأحزاب الأخرى يدين النظام القائم ولا يحسب له. لأن من حق أى باحث أن يتساءل قائلا: أية ديمقراطية هذه التى جعلت من الحزب الحاكم فِيَلاً بعد 30 سنة من ممارسة التعددية السياسية فى حين أن الأحزاب الأخرى لا يتجاوز حضورها حجم النمل أو الصراصير؟ وألا يذكرنا ذلك بالحياة الحزبية المغشوشة فى الدول الشيوعية؟ بقية النتائج المعلنة أثبتت أن خبراتنا فى تزوير استطلاعات الرأى أضعف منها فى تزوير نتائج الانتخابات، بما يجعلنا نشك فى أن الاستطلاع تم تحت إشراف مباحث أمن الدولة ولم يقم به خبراء قياس الرأى العام. وإلا كيف يقال إن قناتى التليفزيون الأولى والثانية هما الأعلى مشاهدة؟ وهل يعقل أن يقال إن أغلب الفقراء هم المتفائلون بالمستقبل؟ وكيف يقال إن 40٪ فقط لم يسمعوا بالأزمة الاقتصادية العالمية، فى حين أن 80٪ تطحنهم الأزمة ولم يعرفوا غيرها طيلة حياتهم. إن أخطر ما فى الاستطلاع الذى تم، أن نتائجه دلت على أن الحزب مُصّر على ألا يعرف شيئا عن الواقع المصرى، الأمر الذى يرشحه بجدارة لأن يكون شهادة تفوق فى الاستعباط السياسى.