فهمي هويدي
لا أعرف متى يمكن أن يتوقف الانفعال في الإعلام المصري بسبب موضوع خلية حزب الله، لكنى أعرف أن التصعيد الذي تؤجج ناره التعليقات المنفلتة والمتجاوزة للحدود يقلب الموازين ويسيء إلى مصر بأكثر مما يسيء إلى غيرها.
(١)
من المفارقات أن التهمة التي وجهت إلى حزب الله بمحاولة تهريب السلاح إلى غزة سبق أن "اقترفتها" مصر في الستينيات. ذلك أن النظام الناصري حين اختار أن ينحاز إلى موقف التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار، وجد نفسه مدفوعا إلى مناصرة حركات المقاومة خصوصا في أنحاء القارة الأفريقية. وهذه النصرة شملت تهريب السلاح بمختلف الوسائل. ولا يزال يعيش بيننا إلى الآن عدد من الضباط الذين أشرفوا على تلك العمليات، وقد تحدثت إلى بعضهم، واحترمت رغبتهم في عدم نشر أسمائهم. وسمعت منهم قصصا عن الكيفية إلى كانت مصر تهرب بها السلاح إلى الجزائر الخاضعة للاحتلال الفرنسي آنذاك. وكان ذلك يتم عبر البحر والبر.
"من المفارقات أن التهمة التي وجهت إلى حزب الله بمحاولة تهريب السلاح إلى غزة سبق أن "اقترفتها" مصر في الستينيات, ذلك أن النظام الناصري انحاز للمقاومة وهرب لها الأسلحة عبر البر والبحر, خصوصا في أنحاء القارة الأفريقية"العمليات البرية كانت تمر بالأراضي الليبية والتونسية دون علم سلطاتها في كثير من الأحيان. ولكي تصل إلى هدفها فإنها كانت تخترق الأسوار المكهربة التي أقامها الفرنسيون على الحدود لوقف التهريب. أما العمليات البحرية فكانت تراوغ لإنزال حمولتها على الشاطئ الجزائري. وقد غرقت واحدة من تلك السفن، في حين نجا قائدها اللواء حسن عاصم رحمه الله.
تحدث بعضهم أيضا عن تهريب السلاح إلى اليمن الجنوبي، الذي كان خاضعا للاحتلال الانجليزي، حيث كانت الأجهزة المصرية تزود القوى الوطنية بالسلاح والعتاد من تعز في اليمن الشمالى. وتكررت عمليات التهريب إلى العديد من الدول الأفريقية، ومنها تنزانيا وغانا وغينيا.
وكانت شركة النصر للاستيراد والتصدير غطاء لعمليات الدعم والمساندة التي قدمتها مصر لحركات التحرر الوطني في تلك الدول. لذلك افتتحت الشركة مكتبا دائما لها في باريس، لأنه لم تكن هناك خطوط مباشرة مع الدول الأفريقية، لكن الوصول إليها كان يمر في الغالب بالعاصمة الفرنسية.
وسمعت من الأستاذ محمد فايق الذي كان مسؤولا عن الملف الأفريقي في مكتب الرئيس عبد الناصر أن السلاح كان يهرب من روديسيا الجنوبية إلى روديسيا الشمالية، وحين لفت نظر الرئيس كينيث كاوندا إلى ذلك، كان رده أنه لا يقبل أن يقوم بدور الشرطي لحماية النظام العنصري في روديسيا الشمالية (زامبيا الآن).
أكثر من ذلك قامت المخابرات المصرية في تلك الفترة بعمليتين عسكريتين ناجحتين ضد إسرائيل انطلقتا من دولة ثالثة ودون علمها. فقد قصف ميناء إيلات من الأردن في العام ١٩٦٩ دون علم سلطاتها. وتم في ١٩٧٠ إغراق الحفار الإسرائيلي الذي كانت متجها إلى خليج السويس في مياه المحيط أمام أبيدجان ولم تكن سلطاتها بدورها على علم بالموضوع.
(٢)
صحيح أن ذلك كله حدث في زمن آخر. وفي ظل قيادة من طراز مختلف، إلا أن تلك الممارسات سوغتها السياسة رغم أنها مخالفة للقانون. ذلك أنه من الناحية القانونية البحتة، لا ينبغي استخدام إقليم دولة لأي غرض بغير علم أو رغبة منها وإلا اعتبر ذلك اعتداء على سيادتها. وهو ما يدعونا إلى القول بأن الرغبة في "النصرة" هي التي دفعت النظام السياسي في المرحلة الناصرية إلى غض الطرف عن مقتضى القانون والمغامرة بانتهاك السيادة، باعتبار أن حلم التخلص من الاستعمار شكل أحد الضرورات التي تبيح "المحظورات"، كما تقول القاعدة الشرعية الشهيرة.
الذي حدث في حالتنا أن السياسة لم تكن راغبة في غض الطرف عن مقتضى القانون، ولذلك جرى ما جرى، الأمر الذي يدعونا إلى القول بأنه من الناحية القانونية فإن سعى حزب الله إلى استخدام القاهرة لإطلاق أي أنشطة ضد إسرائيل دون علم الدولة المصرية أو رغبة منها هو خطأ تورط فيه ولا سبيل للدفاع عنه. (لاحظ أنني لم أتحدث عن إقدام الحزب على ممارسة أي أنشطة تستهدف الاستقرار في مصر كما ذكر بيان النائب العام المصري، لأن المجال الأول لم يعد محل منازعة بعد اعتراف السيد حسن نصر الله به).
"المشكلة مع حزب الله برزت حين صعدت الأبواق الإعلامية المصرية من لهجة الاشتباك مع الحدث ووسعت من نطاقه، بحيث حولته من خطأ قانوني ارتكبه حزب الله إلى حملة شرسة وظالمة ووسعت من نطاقه "لا مشكلة إذن في التعامل القانوني مع القضية. وسواء تخلت السياسة عن "النصرة"، أو رأت أن تمارسها بشكل أخر، فتلك أيضا حساباتها التي قد يختلف الرأي حولها. لكن المشكلة برزت حين صعدت الأبواق الإعلامية المصرية من لهجة الاشتباك مع الحدث ووسعت من نطاقه، بحيث حولته من خطأ قانوني ارتكبه حزب الله إلى حملة شرسة وظالمة ووسعت من نطاقه، واستخدمت في ذلك أساليب غير كريمة حطت من شأنه وجرحت تاريخه وقيادته.
وقد استندت في ذلك إلى ما ذكره بيان النائب العام بخصوص بلاغ لمباحث أمن الدولة تحدث عن مخطط لزعزعة الاستقرار في مصر من شأنه أن يهدد أمنها القومي. وكانت النتيجة أنه خلال أيام قليلة تحول حزب الله إلى عدو لمصر، وتمت "شيطنته"، وهو الذي أسهمه قد ارتفعت إلى عنان السماء بعد انتصاره على إسرائيل في العام ٢٠٠٦.
(٣)
لا تفوتنا هنا ملاحظتان، إحداهما تتعلق بما وراء حملة الشيطنة، والثانية يثيرها توقيت إطلاق الحملة. فيما يخص المسالة الأولى ينبغي أن ندرك أن ثمة أطرافا في المنطقة تمنت لحزب الله أن يختفي من الوجود. وأن لم يتحقق ذلك فعلى الأقل تسود صفحته وتشوه صورته. لا لأن أعضاءه من أتباع المذهب الشيعي، وليس لأن لديهم تحالفا مع إيران، أو لأنهم يشكلون قوة سياسية مسلحة في لبنان تكاد تقارع سلطة الدولة، ولكن لسبب واحد هو أنه فصيل مقاوم لإسرائيل بالدرجة الأولى، استطاع أن يثبت في مواجهتها وأن يتحداها بنجاح، لأول مرة في تاريخ الدولة العبرية.
ولو أنه تخلى عن المقاومة وانخرط في اللعبة السياسية، وأبقى كل صفاته وارتباطاته الأخرى لغفر له، ولربما منح السيد حسن نصر الله جائزة نوبل تقديرا لجهده في دفع "عملية" السلام. و إذا جاز لنا أن نتصارح في هذا الصدد، فإننا نقرر أن الأطراف التي اعنيها ليست إسرائيلية وأميركية فقط، ولكنها لبنانية وعربية أيضا. ومن يقرأ عناوين وتعليقات بعض الصحف والفضائيات العربية يستطيع أن يحدد تلك الأطراف بالاسم والعنوان.
"لو أنحزب الله تخلى عن المقاومة وانخرط في اللعبة السياسية، وأبقى على كل صفاته وارتباطاته الأخرى لغفر له، ولربما منح السيد حسن نصر الله جائزة نوبل تقديرا لجهده في دفع "عملية" السلام"أما توقيت إطلاق الحملة فإنه يثير أسئلة عديدة، ذلك أن عضو حزب الله الذي اتهم بقيادة الخلية ألقى القبض عليه في ١٩ نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وظل محتجزا هو ورفاقه من ذلك الحين. بحيث لم يعلن رسميا عن القضية إلا في ٩ أبريل/ نيسان الحالي، أي بعد حوالي خمسة أشهر. وتزامن ذلك الإعلان مع سخونة حملة الانتخابات النيابية اللبنانية، التي تجرى في ٧ يونيو/ حزيران، ويتصارع فيها تيارا ١٤ و٨ مارس/ آذار.
والأول ضد المقاومة ومع لبنان "المعتدل" جدا، والثاني مع المقاومة ومع لبنان المستقل والرافض للهيمنة الأميركية. لا أعرف إن كان ذلك التزامن مجرد مصادفة أم لا، لكن الذي حدث أن الحملة المصرية ضد حزب الله وظفت لصالح تيار ١٤ آذار في المعركة الانتخابية الدائرة في لبنان، حتى قيل إن ١٥ ألف نسخة من الصحف القومية المصرية التي تسب حزب الله وتخوف منه وتجرح زعيمه تنقل يوميا من القاهرة إلى بيروت، لتسهم في إضعاف موقف الحزب في الانتخابات.
(٤)
في حملة شيطنة حزب الله، ارتكب الإعلام المصري عدة خطايا لا تغتفر، على الأصعدة المهنية والأخلاقية والسياسية. فمن الناحية المهنية فإن أبواقنا الإعلامية أجرت المحاكمة وفصلت في القضية حيث أعلنت إدانة حزب الله، وتنفيذ حكم الإعدام السياسي والأدبي بحقه.
كل ذلك والتحقيقات لم تتم، والقضية لم تنظر أمام القضاء، ولم تسمع للقاضي فيها كلمة. وفي هذا الجانب كان ما نشرته الصحف المصرية إعلانا عن حجم النفوذ الكبير الذي تمارسه الأجهزة الأمنية في المحيط الإعلامي.
من الناحية الأخلاقية كان السقوط مدويا، فقد كان الصوت العالي في الصحافة القومية والبث التلفزيوني الخاضع للتوجه الأمني، للسباب والشتائم والإهانات التي عبرت عن إفلاس في الحجة وهبوط في مستوى التعبير، وإيثار لغة "الردح" على أسلوب الحوار والمناقشة الموضوعية.
من الناحية السياسية، كانت أبرز الخطايا ما يلي:* أن الإعلام المصري بالغ في التجريح والإهانة حتى وجد نفسه يقف في مربع واحد مع المربع الإسرائيلي. ولذلك كانت الحفاوة بالغة والترحيب شديدا من جانب إسرائيل بكل ما صدر عن القاهرة ضد حزب الله. ولم يفوت الإسرائيليون الفرصة، فأصبحوا يتحدثون عن الحزب بأنه "العدو المشترك" للقاهرة وتل أبيب.
"يجب أن نتعامل مع حزب الله بروح مغايرة، فنعاتبه ولا نخاصمه، ونصوبه ولا نجرمه، لكن للأسف إعلامنا أهدر هذه المعاني والضوابط، الأمر الذي يطرح بقوة سؤالا عن طبيعة العلاقة بين الإعلام والسياسة "* إعلامنا وهو يندد بمحاولة تهريب السلاح إلى غزة لم يذكر مرة واحدة أن المشكلة الحقيقة في الاحتلال وأن التهريب نتيجة لذلك الاحتلال، وضرورة اضطر الناس للجوء إليها لمواجهة ذلك الاحتلال.
* لم يفرق إعلامنا بين التناقض الرئيس والثانوي. والأول هو ما بين مصر والعرب أجمعين وبين إسرائيل، والثانوي هو كل ما يقع بين العرب والعرب. وبسبب الخلط بين الاثنين بالغ إعلامنا في هجومه على حزب الله بشكل ضار وكأنه أصبح يمثل تناقضا رئيسا مع مصر، بينما أن يكون الحزب مع مصر في مربع واحد ضد إسرائيل.
* الغريب والمدهش أن إعلامنا لم يعتبر إسرائيل النووية المصرة على التوسع ونهب الأرض تهديدا للأمن القومي المصري، وصدق أن شابا واحدا ومعه آخرين مهما كان عددهم يمكن أن يشكلوا ذلك التهديد.
* لم نجد وعيا بحقيقة أن عدو عدوى صديقي، ووجدنا في المتابعة الإعلامية المصرية خطابا مدهشا يتصرف وكأن عدو عدوى، عدوى أيضا، وكأن معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل جعلت أعداء إسرائيل أعداء لنا أيضا.
ولأن حزب الله المقاوم يمثل رصيدا يجب الحفاظ عليه فضلا عن الاعتزاز به، فإننا يجب أن نتعامل معه بروح مغايرة، فنعاتبه ولا نخاصمه، ونصوبه ولا نجرمه، لكي نكسبه في النهاية ولا نخسره. وللأسف فان إعلامنا أهدر هذه المعاني والضوابط، الأمر الذي يطرح بقوة سؤالا عن طبيعة العلاقة بين الإعلام والسياسة في هذه الحالة.
الجمعة، 24 أبريل 2009
الخميس، 26 مارس 2009
مهدي عاكف يؤكد انه سيترك موقعه كمرشد عام للاخوان نهاية العام الحالي
القاهرة (ا ف ب) -
اعلن المرشد العام للاخوان المسلمين محمد مهدي عاكف الخميس انه سيترك موقعه كمرشد عام للاخوان المسلمين نهاية العام الحالي ولن يترشح لهذا المنصب لفترة ثانية.
وقال عاكف لوكالة فرانس برس "لا انوي الترشح مجددا لموقع المرشد العام للاخوان المسلمين بعد انتهاء فترة ولايتي الحالية مطلع كانون الثاني/يناير المقبل".
واضاف "هذا قرار شخصي واتخذته لانني بلغت 81 عاما واعتقد انه حان الوقت لاتخلى عن اي موقع قيادي في هذه السن". وتابع "ساعود عضوا عاديا في الاخوان وستجرى الجماعة طبقا للوائح انتخابات لاختيار مرشد عام جديد".
وانتخب مهدي عاكف، المرشد العام السابع لجماعة الاخوان التي اسسها حسن البنا في العام 1929، لمدة ست سنوات في كانون الثاني/يناير 2004 بعد وفاة المرشد العام السادس مأمون الهضيبي.
وقال القيادي في الجماعة عبد المنعم ابو الفتوح لوكالة فرانس برس ان انتخابات المرشد العام تتم من قبل مجلس الشورى الذي يبلغ عدد اعضائه حوالى المئة اذ يضم
80 عضوا منتخبا اضافة الى اعضاء مجلس الارشاد الحالي (15) واعضاء مجلس الارشاد السابق.
وقال عاكف لوكالة فرانس برس "لا انوي الترشح مجددا لموقع المرشد العام للاخوان المسلمين بعد انتهاء فترة ولايتي الحالية مطلع كانون الثاني/يناير المقبل".
واضاف "هذا قرار شخصي واتخذته لانني بلغت 81 عاما واعتقد انه حان الوقت لاتخلى عن اي موقع قيادي في هذه السن". وتابع "ساعود عضوا عاديا في الاخوان وستجرى الجماعة طبقا للوائح انتخابات لاختيار مرشد عام جديد".
وانتخب مهدي عاكف، المرشد العام السابع لجماعة الاخوان التي اسسها حسن البنا في العام 1929، لمدة ست سنوات في كانون الثاني/يناير 2004 بعد وفاة المرشد العام السادس مأمون الهضيبي.
وقال القيادي في الجماعة عبد المنعم ابو الفتوح لوكالة فرانس برس ان انتخابات المرشد العام تتم من قبل مجلس الشورى الذي يبلغ عدد اعضائه حوالى المئة اذ يضم
80 عضوا منتخبا اضافة الى اعضاء مجلس الارشاد الحالي (15) واعضاء مجلس الارشاد السابق.
الأحد، 1 مارس 2009
فهمي هويدي يكتب: موت السياسة في مصر
الخبر السار أن العديد من الفئات في مصر أصبحت تنتفض وتلجأ إلى الإضراب لكي تضغط على الحكومة دفاعا عن مصالحها، أما الخبر المحزن فهو أن مصالح الوطن لم تعد تجد قوة تغار عليها وتضغط بدورها للدفاع عنها.
1
"مصر تشهد حالة سياسية نادرة. إذ فيها 24 حزبا معترفا بها ولا توجد فيها حياة سياسية. وفيها انتخابات برلمانية وبلدية، ومجلس للشعب وآخر للشورى، ومجالس ثالثة محلية. مع ذلك فلا توجد أي مشاركة سياسية ولا تداول للسلطة ولا مساءلة للحكومة"أصبحت الإضرابات عنوانا ثابتا على جدران مصر. حتى كدنا نسأل من يضرب هذا الصباح؟ بالتالي لم يعد السؤال هل يضرب الناس أم لا، ولكننا صرنا نسأل من عليه الدور ومتى يتم ذلك؟ وهو تطور مهم جدير بالرصد والإثبات.
ففي الأسبوع الماضي شهدت مصر أربعة إضرابات للصيادلة والمحامين وأصحاب وسائقي الشاحنات وعمال شركة جنوب الوادي للبترول. وحسب بيانات المرصد النقابي والعمالي في القاهرة، فإن شهر يناير/كانون الثاني من هذا العام شهد 56 احتجاجا بصور مختلفة، وحتى منتصف شهر فبراير/شباط سجل المرصد 32 احتجاجا.
وقبل ذلك، في عام 2007 شهدت مصر 756 احتجاجا، راوحت بين الإضراب والاعتصام والتظاهر وتقديم الشكايات إلى الجهات المعنية في الحكومة. وهو ما لم يختلف كثيرا في العام الذي أعقبه 2008.
الظاهرة بهذا الحجم جديدة على المجتمع المصري، إذ باستثناء مظاهرات طلاب الجامعات التي عادة ما تقابل بقمع شديد أدى إلى تراجعها في السنوات الأخيرة، فإن التظاهر المعبر عن الاحتجاج والغضب لم يكن من معالم ثقافة المجتمع المصري خلال نصف القرن الأخير على الأقل لأسباب يطول شرحها.
فقد خيم السكون على أرجاء مصر طيلة تلك المدة، فلم نسمع صوتا غاضبا للمجتمع لا في الشأن الخاص لفئاته ولا في الشأن العام للبلد.
وتعد مظاهرات 18 و19 يناير/كانون الثاني التي خرجت في عام 1977 احتجاجا على رفع الأسعار، وتمرد جنود الأمن المركزي في عام 1986 من التجليات الاستثنائية التي تؤيد القاعدة ولا تنفيها.
خلال السنوات الثلاث الأخيرة حدث تحول مهم في حركة المجتمع المصري، إذ في حين لم نكن نسمع له صوتا في الشأن الخاص أو العام، فإننا أصبحنا نسمع أصواتا عدة لفئات فاض بها الكيل ولم تعد تحتمل قسوة الحياة. وهو ما أدى إلى بروز الاهتمام بالشأن الخاص، مع استمرار السكون المخيم المحيط بملف الشأن العام، رغم توالي التحديات التي كانت تستوجب وقفة حازمة من جانب المجتمع.
وقائمة تلك التحديات طويلة، إذ راوحت بين تقنين تراجع الحالة الديمقراطية مع تغول المؤسسة الأمنية، وارتفاع مؤشرات الفساد في السلطة، وبيع الأصول المالية للبلد، واستشراء الهيمنة الأجنبية.. إلخ.
أما لماذا خرجت الفئات المختلفة عن سكونها المعتاد، فرفعت صوتها محتجة وغاضبة في مواجهة الحكومة، فأغلب الظن أن ذلك راجع إلى سببين جوهريين.
أولهما وطأة الضغوط المعيشية التي أثقلت كاهل تلك الفئات، فأفقرت الطبقة الوسطى وسحقت الفقراء، مما دفع أغلب الغاضبين إلى المطالبة بتحسين أحوالهم المادية.
أما ثانيهما فيتمثل في سقوط حاجز الخوف من السلطة سواء لأنه "من طالت عصاه قلت هيبته"، كما يقول المثل العربي، أو بسبب الجرأة التي مارستها الصحف المعارضة والمستقلة في نقد السلطة وفضح ممارساتها، مما شجع آخرين على رفع أصواتهم الغاضبة والمحتجة دون وجل.
2
للشيخ محمد الغزالي مقولة أشرت إليها أكثر من مرة ذكر فيها أن انتهاك شرف البنت يقيم الدنيا ولا يقعدها في مجتمعنا، لكن العدوان على شرف الأمة لم يعد يحرك ساكنا فيها.
وغني عن البيان أنه لم يكن يهون من شأن انتهاك شرف البنت، لكنه كان يستهول السكوت على العدوان على شرف الأمة، مع ذلك فالمقولة تحتاج إلى مراجعة. ذلك أن غضب الأسرة أو المجتمع الذي يحيط بها لأي عدوان على شرف بنتهم أمر طبيعي لا يحتاج إلى تعبئة وتحريض أو احتشاد، فضلاً عن أن وسائل التعبير عن ذلك الغضب تلقائية ومحدودة، وهى بمقدور كل أحد.
"النظام القائم لم يكتفِ باحتكار السلطة فحسب، وإنما عمد أيضا إلى تأميم المجال العام، بحيث لا يعلو صوت في بر مصر فوق صوت الحزب الحاكم"أما الغضب لأجل العدوان على شرف الوطن فإنه يحتاج إلى ترتيب مختلف، فذلك أمر يتطلب تعبئة واحتشادا، فضلاً عن أنه يستوجب توفير أوعية تستقطب طاقات الغضب وتوظفها في الاتجاه الصحيح الذي يرد العدوان. وتلك مهمة القوى السياسية المختلفة التي تمثلها الأحزاب، باعتبار أن النخبة الوطنية هي المسؤولة عن تعبئة الرأي العام وقيادته. وهذه النقطة الأخيرة تجرنا إلى صلب الموضوع الذي نحن بصدده.
ذلك أنه من الطبيعي أن يغضب الناس وأن يخرجوا عن أطوارهم عندما تضيق بهم سبل الحياة، ويتعلق الأمر بمتطلباتهم المعيشية.
ولا ينبغي أن يتوقع أحد منهم أن يتظاهروا من تلقاء أنفسهم دفاعا عن الديمقراطية أو احتجاجا على الفساد أو تزوير الانتخابات أو غير ذلك من قضايا الشأن العام.
وهم إذا فعلوها مرة تحت أي ظرف فإنهم سوف يتفرقون بمجرد ظهور جنود الأمن المركزي بثيابهم السوداء وعصيهم الكهربائية، ولن يعودوا إليها مرة أخرى.
بكلام آخر فإن الدفاع عن القضايا العامة المتعلقة بحاضر الوطن ومستقبله من المهام الأساسية للأحزاب السياسية باعتبارها الأوعية الشرعية الجامعة للقوى الوطنية. إذ يفترض أن تلك الأحزاب لم تكتسب شرعيتها إلا بعد أن طرحت برامجها التي حددت فيها رؤيتها في حراسة الوطن والسهر على استقراره والسعي إلى النهوض به.
وإذا جاز لنا أن نشبه المجتمع بالبشر، فإن الجماهير هي الجسم بكل مكوناته، أما القوى الحية والنخبة السياسية فتشكل الرأس لذلك الجسم. ولا يستطيع الجسم أن يتحرك دون توجيه من الرأس الذي يحتوى على المخ.
أردت من كل ذلك أن أقول إننا نظلم الناس ونحملهم أكثر مما يحتملون حين نتهمهم بالتقاعس عن القيام بواجب هو من مسؤولية الأحزاب السياسية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني. وإذا ما حدث ذلك التقاعس فعلينا أن نتساءل أولا عن وضع الرأس، قبل أن نحاكم استجابات الجسم.
3
إذا حاولنا تنزيل هذه الفكرة على الواقع، فسنجد أن مصر تشهد حالة سياسية نادرة. إذ فيها 24 حزبا معترفا بها ولا توجد فيها حياة سياسية. وفيها انتخابات برلمانية وبلدية، ومجلس للشعب وآخر للشورى، ومجالس ثالثة محلية. مع ذلك فلا توجد أي مشاركة سياسية ولا تداول للسلطة ولا مساءلة للحكومة.
والأحزاب لا تنشأ إلا بموافقة أمنية بالدرجة الأولى، ومن ثم فإنها تكتسب شرعيتها من تلك الموافقة وليس من التأييد الشعبي لها، الأمر الذي وضعنا بإزاء هرم مقلوب، السلطة فيه هي التي تشكل الأحزاب، وليست الأحزاب هي التي تشكل السلطة.
ورغم عملية "الإخصاء" التي تتعرض لها الأحزاب والتي أصبحت شرطا لميلادها، فإنها تتعرض للتكبيل بعد ذلك، بحيث لا يجوز لها -بمقتضى القانون- أن تتواصل مع المجتمع، فتقيم مهرجانا شعبيا أو لقاء جماهيريا خارج مقرها، إلا بعد موافقة الأمن.
لا يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن الأحزاب على ضعفها وقلة حيلتها تظل موضوعة تحت الرقابة طول الوقت. إذ المطلوب منها في حقيقة الأمر، إما أن تظل جزءا من "الديكور" الديمقراطي، فتصبح شكلا بلا وظيفة أو مضمون، أو أن تتحول إلى أجنحة للحزب الحاكم.
وأي خروج عن هذا الإطار يعرض الحزب إما إلى التجميد والمصادرة أو التفجير من الداخل، وما جرى لحزب العمل عبرة للآخرين. ذلك أن الحزب الذي أسسه الراحل إبراهيم شكري أراد أن يمارس دوره بشكل جاد وأن يمثل المعارضة الحقيقية، فصدر قرار تجميده في سنة 2000، وحين تم الطعن في قرار لجنة الأحزاب بالتجميد أمام مجلس الدولة، فإن تقرير مفوض المجلس اعتبر القرار باطلا وغير دستوري وطالب بعودة الحزب، ولكن الحكومة لم تكترث بذلك.
"حين يعلن موت الحياة السياسية فإنه يصبح عبثيا التساؤل عن غيرة الناس على مصالح الوطن، إذ ينبغي أن يشعر هؤلاء بأنهم مواطنون أولا، وأن تعود الحياة إلى الرأس المعطل ثانيا، وأن نكف عن الكذب والخداع ثالثا"ورغم صدور 13 حكما من مجلس الدولة لإعادة إصدار جريدة "الشعب" الناطقة بلسان الحزب، فإن الجهات الأمنية رفضت تنفيذ هذه الأحكام واحدا تلو الآخر.
وإذا كان بوسع الحكومة أن تجمد أي حزب يحاول تجاوز الحدود المرسومة، فإنها لا تعدم وسيلة لتفجير الأحزاب من الداخل وتغذية الانشقاقات فيها، وهو ما حدث مع أحزاب الغد والأحرار ومع حزب الوفد. إذ ثبت أن الانشقاقات التي وقعت داخل تلك الأحزاب لم تكن بعيدة عن أصابع الأجهزة الأمنية.
ما جرى مع الأحزاب تكرر مع النقابات المهنية التي ربط القانون مستقبلها بقرار من رئيس محكمة استئناف جنوب القاهرة، الذي له حق تحديد مواعيد الترشح لمجالس تلك النقابات، بما يؤدي إلى انتخاب رئيس كل نقابة ومجلس إدارتها. وإذا ما امتنع ذلك القاضي عن تحديد المواعيد -بطلب من أجهزة الأمن- فإن النقابة تجمد أو تستمر تحت الحراسة.
نموذج نقابة المهندسين الموضوعة تحت الحراسة منذ 18عاما فاضح في تجسيد هذه الحالة، إذ لأن ثمة قرارا أمنيا بإخضاع النقابة وتأديبها، فإن رئيس المحكمة المذكورة ظل يتهرب من تحديد موعد لانعقاد الجمعية العمومية للنقابة طيلة هذه المدة.
والحاصل مع نقابة المهندسين تكرر مع نقابة أطباء الإسكندرية التي وضعت بدورها تحت الحراسة، ومُنع أعضاؤها من ممارسة أي نشاط بداخلها.
وإلى جانب ذلك فهناك سبع نقابات أخرى جُمدت فيها الانتخابات منذ ١٦ عاما على الأقل، وهى تضم الفئات التالية، الأطباء والصيادلة والأسنان والبيطريين إضافة إلى المعلمين والتجاريين والزراعيين.
الشاهد أن النظام القائم لم يكتفِ باحتكار السلطة فحسب، وإنما عمد أيضا إلى تأميم المجال العام، بحيث لا يعلو صوت في بر مصر فوق صوت الحزب الحاكم، من ثمَّ تطالب كل فعاليات المجتمع وقواه الحية بأن تصبح صدى لذلك الحزب إن لم تنضو تحت لوائه وتَذُبْ فيه.
4
في نهاية المطاف، وبعد 57 عاما من الثورة على النظام الملكي وإعلان الجمهورية أصبح المجتمع المصري جسما بلا رأس، ليس لدي حنين إلى ذلك النظام، لكن ما جرى أن النظام الجمهوري فرغ من مضمونه.
إذ تم اختطافه وإقصاء "الجمهور" منه عبر إضعاف وتصفية خلاياه الحية واحدة تلو الأخرى، في حين تحول الوطن إلى "وقف" سُلمت مقاليده ومفاتيحه إلى فئة بذاتها أدارته وتوارثته جيلا بعد جيل.
الإضعاف والتصفية أفضيا إلى موت الحياة السياسية، مع الاعتذار للجنة السياسات. إذ تم تغييب مختلف المؤسسات المدنية الفاعلة، بحيث لم يبقَ في الساحة سوى المؤسسة الأمنية.
ورغم امتلاء الفضاء المصري بالأحزاب فإنك إذا رفعت عينيك عن الصحف ومددت بصرك في ذلك الفضاء، فلن ترى شيئا، لكنك ستلمح على البعد "خيال مآتة" (الفزاعة باللهجة المصرية) تتقاذفه الرياح كتب عليه "الحزب الديمقراطي"، الأمر الذي قد يجعلك تنفجر بالبكاء أو تستسلم لضحك هستيري يظل صداه يتردد في الفضاء بلا توقف.
حين يعلن موت الحياة السياسية فإنه يصبح عبثيا التساؤل عن غيرة الناس على مصالح الوطن، إذ ينبغي أن يشعر هؤلاء بأنهم مواطنون أولا، وأن تعود الحياة إلى الرأس المعطل ثانيا، وأن نكف عن الكذب والخداع ثالثا، وبعد ذلك نتكلم في الموضوع.
1
"مصر تشهد حالة سياسية نادرة. إذ فيها 24 حزبا معترفا بها ولا توجد فيها حياة سياسية. وفيها انتخابات برلمانية وبلدية، ومجلس للشعب وآخر للشورى، ومجالس ثالثة محلية. مع ذلك فلا توجد أي مشاركة سياسية ولا تداول للسلطة ولا مساءلة للحكومة"أصبحت الإضرابات عنوانا ثابتا على جدران مصر. حتى كدنا نسأل من يضرب هذا الصباح؟ بالتالي لم يعد السؤال هل يضرب الناس أم لا، ولكننا صرنا نسأل من عليه الدور ومتى يتم ذلك؟ وهو تطور مهم جدير بالرصد والإثبات.
ففي الأسبوع الماضي شهدت مصر أربعة إضرابات للصيادلة والمحامين وأصحاب وسائقي الشاحنات وعمال شركة جنوب الوادي للبترول. وحسب بيانات المرصد النقابي والعمالي في القاهرة، فإن شهر يناير/كانون الثاني من هذا العام شهد 56 احتجاجا بصور مختلفة، وحتى منتصف شهر فبراير/شباط سجل المرصد 32 احتجاجا.
وقبل ذلك، في عام 2007 شهدت مصر 756 احتجاجا، راوحت بين الإضراب والاعتصام والتظاهر وتقديم الشكايات إلى الجهات المعنية في الحكومة. وهو ما لم يختلف كثيرا في العام الذي أعقبه 2008.
الظاهرة بهذا الحجم جديدة على المجتمع المصري، إذ باستثناء مظاهرات طلاب الجامعات التي عادة ما تقابل بقمع شديد أدى إلى تراجعها في السنوات الأخيرة، فإن التظاهر المعبر عن الاحتجاج والغضب لم يكن من معالم ثقافة المجتمع المصري خلال نصف القرن الأخير على الأقل لأسباب يطول شرحها.
فقد خيم السكون على أرجاء مصر طيلة تلك المدة، فلم نسمع صوتا غاضبا للمجتمع لا في الشأن الخاص لفئاته ولا في الشأن العام للبلد.
وتعد مظاهرات 18 و19 يناير/كانون الثاني التي خرجت في عام 1977 احتجاجا على رفع الأسعار، وتمرد جنود الأمن المركزي في عام 1986 من التجليات الاستثنائية التي تؤيد القاعدة ولا تنفيها.
خلال السنوات الثلاث الأخيرة حدث تحول مهم في حركة المجتمع المصري، إذ في حين لم نكن نسمع له صوتا في الشأن الخاص أو العام، فإننا أصبحنا نسمع أصواتا عدة لفئات فاض بها الكيل ولم تعد تحتمل قسوة الحياة. وهو ما أدى إلى بروز الاهتمام بالشأن الخاص، مع استمرار السكون المخيم المحيط بملف الشأن العام، رغم توالي التحديات التي كانت تستوجب وقفة حازمة من جانب المجتمع.
وقائمة تلك التحديات طويلة، إذ راوحت بين تقنين تراجع الحالة الديمقراطية مع تغول المؤسسة الأمنية، وارتفاع مؤشرات الفساد في السلطة، وبيع الأصول المالية للبلد، واستشراء الهيمنة الأجنبية.. إلخ.
أما لماذا خرجت الفئات المختلفة عن سكونها المعتاد، فرفعت صوتها محتجة وغاضبة في مواجهة الحكومة، فأغلب الظن أن ذلك راجع إلى سببين جوهريين.
أولهما وطأة الضغوط المعيشية التي أثقلت كاهل تلك الفئات، فأفقرت الطبقة الوسطى وسحقت الفقراء، مما دفع أغلب الغاضبين إلى المطالبة بتحسين أحوالهم المادية.
أما ثانيهما فيتمثل في سقوط حاجز الخوف من السلطة سواء لأنه "من طالت عصاه قلت هيبته"، كما يقول المثل العربي، أو بسبب الجرأة التي مارستها الصحف المعارضة والمستقلة في نقد السلطة وفضح ممارساتها، مما شجع آخرين على رفع أصواتهم الغاضبة والمحتجة دون وجل.
2
للشيخ محمد الغزالي مقولة أشرت إليها أكثر من مرة ذكر فيها أن انتهاك شرف البنت يقيم الدنيا ولا يقعدها في مجتمعنا، لكن العدوان على شرف الأمة لم يعد يحرك ساكنا فيها.
وغني عن البيان أنه لم يكن يهون من شأن انتهاك شرف البنت، لكنه كان يستهول السكوت على العدوان على شرف الأمة، مع ذلك فالمقولة تحتاج إلى مراجعة. ذلك أن غضب الأسرة أو المجتمع الذي يحيط بها لأي عدوان على شرف بنتهم أمر طبيعي لا يحتاج إلى تعبئة وتحريض أو احتشاد، فضلاً عن أن وسائل التعبير عن ذلك الغضب تلقائية ومحدودة، وهى بمقدور كل أحد.
"النظام القائم لم يكتفِ باحتكار السلطة فحسب، وإنما عمد أيضا إلى تأميم المجال العام، بحيث لا يعلو صوت في بر مصر فوق صوت الحزب الحاكم"أما الغضب لأجل العدوان على شرف الوطن فإنه يحتاج إلى ترتيب مختلف، فذلك أمر يتطلب تعبئة واحتشادا، فضلاً عن أنه يستوجب توفير أوعية تستقطب طاقات الغضب وتوظفها في الاتجاه الصحيح الذي يرد العدوان. وتلك مهمة القوى السياسية المختلفة التي تمثلها الأحزاب، باعتبار أن النخبة الوطنية هي المسؤولة عن تعبئة الرأي العام وقيادته. وهذه النقطة الأخيرة تجرنا إلى صلب الموضوع الذي نحن بصدده.
ذلك أنه من الطبيعي أن يغضب الناس وأن يخرجوا عن أطوارهم عندما تضيق بهم سبل الحياة، ويتعلق الأمر بمتطلباتهم المعيشية.
ولا ينبغي أن يتوقع أحد منهم أن يتظاهروا من تلقاء أنفسهم دفاعا عن الديمقراطية أو احتجاجا على الفساد أو تزوير الانتخابات أو غير ذلك من قضايا الشأن العام.
وهم إذا فعلوها مرة تحت أي ظرف فإنهم سوف يتفرقون بمجرد ظهور جنود الأمن المركزي بثيابهم السوداء وعصيهم الكهربائية، ولن يعودوا إليها مرة أخرى.
بكلام آخر فإن الدفاع عن القضايا العامة المتعلقة بحاضر الوطن ومستقبله من المهام الأساسية للأحزاب السياسية باعتبارها الأوعية الشرعية الجامعة للقوى الوطنية. إذ يفترض أن تلك الأحزاب لم تكتسب شرعيتها إلا بعد أن طرحت برامجها التي حددت فيها رؤيتها في حراسة الوطن والسهر على استقراره والسعي إلى النهوض به.
وإذا جاز لنا أن نشبه المجتمع بالبشر، فإن الجماهير هي الجسم بكل مكوناته، أما القوى الحية والنخبة السياسية فتشكل الرأس لذلك الجسم. ولا يستطيع الجسم أن يتحرك دون توجيه من الرأس الذي يحتوى على المخ.
أردت من كل ذلك أن أقول إننا نظلم الناس ونحملهم أكثر مما يحتملون حين نتهمهم بالتقاعس عن القيام بواجب هو من مسؤولية الأحزاب السياسية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني. وإذا ما حدث ذلك التقاعس فعلينا أن نتساءل أولا عن وضع الرأس، قبل أن نحاكم استجابات الجسم.
3
إذا حاولنا تنزيل هذه الفكرة على الواقع، فسنجد أن مصر تشهد حالة سياسية نادرة. إذ فيها 24 حزبا معترفا بها ولا توجد فيها حياة سياسية. وفيها انتخابات برلمانية وبلدية، ومجلس للشعب وآخر للشورى، ومجالس ثالثة محلية. مع ذلك فلا توجد أي مشاركة سياسية ولا تداول للسلطة ولا مساءلة للحكومة.
والأحزاب لا تنشأ إلا بموافقة أمنية بالدرجة الأولى، ومن ثم فإنها تكتسب شرعيتها من تلك الموافقة وليس من التأييد الشعبي لها، الأمر الذي وضعنا بإزاء هرم مقلوب، السلطة فيه هي التي تشكل الأحزاب، وليست الأحزاب هي التي تشكل السلطة.
ورغم عملية "الإخصاء" التي تتعرض لها الأحزاب والتي أصبحت شرطا لميلادها، فإنها تتعرض للتكبيل بعد ذلك، بحيث لا يجوز لها -بمقتضى القانون- أن تتواصل مع المجتمع، فتقيم مهرجانا شعبيا أو لقاء جماهيريا خارج مقرها، إلا بعد موافقة الأمن.
لا يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن الأحزاب على ضعفها وقلة حيلتها تظل موضوعة تحت الرقابة طول الوقت. إذ المطلوب منها في حقيقة الأمر، إما أن تظل جزءا من "الديكور" الديمقراطي، فتصبح شكلا بلا وظيفة أو مضمون، أو أن تتحول إلى أجنحة للحزب الحاكم.
وأي خروج عن هذا الإطار يعرض الحزب إما إلى التجميد والمصادرة أو التفجير من الداخل، وما جرى لحزب العمل عبرة للآخرين. ذلك أن الحزب الذي أسسه الراحل إبراهيم شكري أراد أن يمارس دوره بشكل جاد وأن يمثل المعارضة الحقيقية، فصدر قرار تجميده في سنة 2000، وحين تم الطعن في قرار لجنة الأحزاب بالتجميد أمام مجلس الدولة، فإن تقرير مفوض المجلس اعتبر القرار باطلا وغير دستوري وطالب بعودة الحزب، ولكن الحكومة لم تكترث بذلك.
"حين يعلن موت الحياة السياسية فإنه يصبح عبثيا التساؤل عن غيرة الناس على مصالح الوطن، إذ ينبغي أن يشعر هؤلاء بأنهم مواطنون أولا، وأن تعود الحياة إلى الرأس المعطل ثانيا، وأن نكف عن الكذب والخداع ثالثا"ورغم صدور 13 حكما من مجلس الدولة لإعادة إصدار جريدة "الشعب" الناطقة بلسان الحزب، فإن الجهات الأمنية رفضت تنفيذ هذه الأحكام واحدا تلو الآخر.
وإذا كان بوسع الحكومة أن تجمد أي حزب يحاول تجاوز الحدود المرسومة، فإنها لا تعدم وسيلة لتفجير الأحزاب من الداخل وتغذية الانشقاقات فيها، وهو ما حدث مع أحزاب الغد والأحرار ومع حزب الوفد. إذ ثبت أن الانشقاقات التي وقعت داخل تلك الأحزاب لم تكن بعيدة عن أصابع الأجهزة الأمنية.
ما جرى مع الأحزاب تكرر مع النقابات المهنية التي ربط القانون مستقبلها بقرار من رئيس محكمة استئناف جنوب القاهرة، الذي له حق تحديد مواعيد الترشح لمجالس تلك النقابات، بما يؤدي إلى انتخاب رئيس كل نقابة ومجلس إدارتها. وإذا ما امتنع ذلك القاضي عن تحديد المواعيد -بطلب من أجهزة الأمن- فإن النقابة تجمد أو تستمر تحت الحراسة.
نموذج نقابة المهندسين الموضوعة تحت الحراسة منذ 18عاما فاضح في تجسيد هذه الحالة، إذ لأن ثمة قرارا أمنيا بإخضاع النقابة وتأديبها، فإن رئيس المحكمة المذكورة ظل يتهرب من تحديد موعد لانعقاد الجمعية العمومية للنقابة طيلة هذه المدة.
والحاصل مع نقابة المهندسين تكرر مع نقابة أطباء الإسكندرية التي وضعت بدورها تحت الحراسة، ومُنع أعضاؤها من ممارسة أي نشاط بداخلها.
وإلى جانب ذلك فهناك سبع نقابات أخرى جُمدت فيها الانتخابات منذ ١٦ عاما على الأقل، وهى تضم الفئات التالية، الأطباء والصيادلة والأسنان والبيطريين إضافة إلى المعلمين والتجاريين والزراعيين.
الشاهد أن النظام القائم لم يكتفِ باحتكار السلطة فحسب، وإنما عمد أيضا إلى تأميم المجال العام، بحيث لا يعلو صوت في بر مصر فوق صوت الحزب الحاكم، من ثمَّ تطالب كل فعاليات المجتمع وقواه الحية بأن تصبح صدى لذلك الحزب إن لم تنضو تحت لوائه وتَذُبْ فيه.
4
في نهاية المطاف، وبعد 57 عاما من الثورة على النظام الملكي وإعلان الجمهورية أصبح المجتمع المصري جسما بلا رأس، ليس لدي حنين إلى ذلك النظام، لكن ما جرى أن النظام الجمهوري فرغ من مضمونه.
إذ تم اختطافه وإقصاء "الجمهور" منه عبر إضعاف وتصفية خلاياه الحية واحدة تلو الأخرى، في حين تحول الوطن إلى "وقف" سُلمت مقاليده ومفاتيحه إلى فئة بذاتها أدارته وتوارثته جيلا بعد جيل.
الإضعاف والتصفية أفضيا إلى موت الحياة السياسية، مع الاعتذار للجنة السياسات. إذ تم تغييب مختلف المؤسسات المدنية الفاعلة، بحيث لم يبقَ في الساحة سوى المؤسسة الأمنية.
ورغم امتلاء الفضاء المصري بالأحزاب فإنك إذا رفعت عينيك عن الصحف ومددت بصرك في ذلك الفضاء، فلن ترى شيئا، لكنك ستلمح على البعد "خيال مآتة" (الفزاعة باللهجة المصرية) تتقاذفه الرياح كتب عليه "الحزب الديمقراطي"، الأمر الذي قد يجعلك تنفجر بالبكاء أو تستسلم لضحك هستيري يظل صداه يتردد في الفضاء بلا توقف.
حين يعلن موت الحياة السياسية فإنه يصبح عبثيا التساؤل عن غيرة الناس على مصالح الوطن، إذ ينبغي أن يشعر هؤلاء بأنهم مواطنون أولا، وأن تعود الحياة إلى الرأس المعطل ثانيا، وأن نكف عن الكذب والخداع ثالثا، وبعد ذلك نتكلم في الموضوع.
الاثنين، 23 فبراير 2009
د.ضياء رشوان يستبعد أي دور للجماعات الإسلامية في انفجار الحسين
خبير مصري يستبعد أي دور للجماعات الكبرى في انفجار حي الحسين
استبعد د.ضياء رشوان الخبير بالجماعات الإسلامية بمركز الاهرام للدراسات السياسية أن تكون للجماعات الإسلامية الكبرى في مصر أي ضلع فى التفجير الذى وقع فى منطقة الأزهر واسفر عن سقوط قتلى ومصابين.
وقال ضياء رشوان: "هذا الأسلوب يكاد يتشابه مع أساليب تنظيمات غريبة عن مصر مثل تنظيم القاعدة الذى يستهدف دائمًا الأجانب والمنشآت الاقتصادية ، أما عمليات الجماعات الإسلامية التى كانت ترتكب قديما فهي مختلفة وتركز على أهداف سياسية".
واعتبر رشوان أن هذا الحادث يعتبر صورة مكررة من الانفجار المشابه الذي وقع في شهر أبريل عام 2005، وأعرب في تصريحات لمحطة "دريم" الفضائية المصرية عن ثقته بأن هذه العملية ليست عملية كبيرة وليست من تنفيذ تنظيم له القدرة على القيام بحوادث ضخمة وإنما من تنفيذ عناصر تحاول التقليد ليس إلا.
فريق محققين
إلى ذلك قرر المستشار عبد المجيد محمود النائب العام تكليف فريق من محققي نيابة غرب القاهرة برئاسة المستشار عمرو قنديل المحامي العام للنيابة بالانتقال الى موقع حادث الانفجار الذى وقع في وقت سابق اليوم بحي الحسين بالقاهرة.
وكلف النائب العام فريق المحققين بمعاينة آثار الحادث للوقوف على طبيعته وكذلك الانتقال لمستشفى الحسين الجامعي للاستماع لأقوال المصابين وكذلك الاستماع لأقوال شهود العيان للحادث.
جاء هذا بعد وقت قصير من وقوع انفجار في منطقة الأزهر والذي أسقط 22 مصابًا وقتيلاً، منهم 3 سعوديين وحوالي 14 فرنسي و3 ألمان و3 مصريين وقد توفيت المصابة الفرنسية عقب الانفجار بدقائق
وقد نقل المصابون إلى مستشفى أحمد ماهر الأقرب لموقع الحادث بينما نقل المصابون السعوديون الثلاثة إلى مستشفى مصر الدولي.
الأربعاء، 18 فبراير 2009
الأحد، 15 فبراير 2009
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)