'فيلم كارتون' سياسي
عبد الحليم قنديل
09/11/2009
ربما يحق أن نبدأ باعتذار احتياطي لصناع أفلام ومسلسلات الكارتون، فليست كل أفلام الكارتون غارقة في الوهم، ولا صانعة لخيالات مفرطة في الرداءة.لكن مؤتمر ما يسمي الحزب الوطني ـ في مصر ـ بدأ كفيلم كارتون سياسي ردئ بامتياز، التشبيه نشرته الصحف المصرية اليومية الثلاث المستقلة ـ الشروق والدستور والمصري اليوم ـ نقلا عن تعليق هاتفي لكاتب هذه السطور، وفي واقعة مهنية موحية، جعلته مانشيتا موحدا لها جميعا ـ وباللون الأحمر ـ في صباح آخر أيام مؤتمر الحزب الوطني، وبدأ الإجماع الصحافي على التقاط تعبير عفوي من فم صاحبه، وهو الممنوع ـ عرفيا ـ من الكتابة في صحف مصر كلها، وإبرازه بصورة لافته في تنافس مهني حار، وكأنه يعبر عن مزاج المعارضة المصرية كلها، ويلخص رؤيتها لحوادث فانتازيا سوداء توالت على منصة المؤتمر الكاريكاتوري، وتبدت خصوصا في كلمات الرئيس الأب ـ حسني مبارك ـ ووصيفه صفوت الشريف، وبالذات في كلمات الرئيس الابن ـ جمال مبارك ـ ووصيفه أحمد عز، بدأ الأربعة كممثلين لابأس بهم على خشبة مسرح كوميدي، وبدت روح الطرافة ظاهرة في تطليق 'الرباعي المرح' لحقائق الواقع بالجملة، وتفضيل العيش على المريخ، وإدارة حرب طواحـــين هواء، وافتعال سخونة كلام تتخفى بالخواء البارد.تأمل ـ مثلا ـ حديث الأربعة عن 'الحزب الوطني'، وتصويره كأنه حزب الأغلبية الشعبية، وحزب الأغلبية في الشارع المصري، بينما لادليل ولا قرينة على صحة الدعوى، لااسم ولا رسم لشيء اسمه الحزب الوطني، تأمل الاسم قبل الرسم، فالشغل الشاغل لرئيس الحزب هو خدمة العدو الإسرائيلي، وكأن الوطن المعني ـ بنسبة التسمية ـ هو 'إسرائيل' لامصر، ولو أن الرئيس مبارك صحا من نومه الثقيل، وقرر تغيير اسم 'الحزب الوطني' إلى حزب الليكود، فلن تجد أحدا يعترض، وسوف يتسابقون جماعات وفرادي للانضمام إلى ليكود مبارك، ربما السبب أن الحزب الوطني ليس حزبا بالمعنى المفهوم، بل مجرد تجمع إداري ملتصق بجهاز الأمن، وعضويته أقرب إلى عضوية السجل المدني لا السجل السياسي، مجرد دفاتر تملأ وتشطب وتتغير، ومقرات خاوية موروثة عن زمن الاتحاد الاشتراكي، وظاهرة خداع بصري كسراب في الصحراء، وفي لحظة الحقيقة لاتجد أحدا ولا حزبا ولا أصواتا، ففي سنوات القلق المصري الخمس الأخيرة، تدافعت إلى الشارع تظاهرات لكفاية وأخواتها، وتظاهرات بعشرات الألوف ـ ومئاتها أحيانا ـ لجماعة الإخوان المسلمين، وألوف الإضرابات والاعتصامات الاجتماعية، ولم يحدث لمرة واحدة ـ ولو على سبيل السهو والنسيان ـ أن تظاهر أحد باسم ما يسمى 'الحزب الوطني'، لا لتأييد سياسات مبارك، ولا للرد على تظاهرات واحتجاجات المعارضين، فقط نزلت إلى الشارع جحافل العسكر السود والخوذات الأسود، كانت كل تظاهرة من عشرة أفراد تواجه بحشد أمني من عشرة آلاف عسكري، وكانت كل مظاهرة من مئة فرد تواجه بحشد أمني من مئة ألف، وهكذا دواليك، فقد بدت قوات الأمن كبحر أسود لا تنفد قطراته، وفي مصر أكبر جهاز أمن داخلي في العالم ربما باستثناء الصين، وحجم قوات الأمن الداخلي يفوق حجم الجيش بثلاث مرات، وقوات الأمن هي حزب النظام الوحيد الباقي، والنظام كله مجرد رأس عائلي معلق على جهاز أمني متضخم متورم، ولا محل من الإعراب في القصة كلها لشئ اسمه الحزب الوطني، فهو مجرد بوق تنفخ فيه العائلة مزاميرها، ومجرد قناع سياسي لحكم العائلة، ومؤتمره السنوي مجرد 'حفل تنكري' تلبس فيه العائلة المترفة جلباب الحزب، وعلى طريقة سيدات المجتمع حين يلبسن جلابيب الفلاحات في الحفلات التنكرية، والتي قد تجلب بعض الضحك وبعض التسرية، وتثير مشاعر الهزء والسخرية، لكن لا أحد يصدق بالطبع، ولا أحد ينظر للهزل ـ المنقضي ـ باعتباره جد الجد . وعلى الطريقة الهزلية ذاتها، بدا كلام الأربعة عن أحزاب المعارضة المعترف بها رسميا، وعن استعدادهم للحوار معها، وهي ذات اللغة الهزلية التي كان ينفرد بها صفوت الشريف، وتعتبر أننا ـ في مصر ـ نعيش أزهى عصور الديمقراطية، ربما لأنه يظن أن الديكتاتورية العائلية هي عين أعيان الديمقراطية، وصفوت الشريف ـ بالمناسبة ـ هو الرئيس المختار لكيان عجائبي في مصر اسمه 'لجنة الأحزاب'، والتي تراقب عمل الأحزاب المصرح بها، وتجمدها أو تحلها بالمشيئة الأمنية، وعلى طريقة حلها لحزب العمل 'الإسلامي' وتصفية جريدته في 'فمتو ـ ثانية' أمنية، وبدت الطريقة ـ الديمقراطية الزاهية ـ كأنها رأس الحزب الطائر، والمصير الذي تخشاه أحزاب الرخصة الرسمية ، وعدد هذه الأحزاب 24 حزبا في عين الحسود، بينها ثلاثة أو أربعة أحزاب لها صلة نسب بالسياسة، وبقية الأحزاب ـ العشرين ـ أقرب إلى أكشاك السجائر، ويندر أن تجد مصريا يعرف أسمائها أو مقارها أو أعضائها، فهي مجرد مشروعات استثمارية ـ استرزاقية ـ صغيرة، يتلقى أصحابها هبات مالية سنوية من لجنة الأحزاب، ويتفرغون لإصدار بيانات تأييد حماسي لمبارك وابنه ووزير الداخلية ورؤساء الأحياء وعمد القرى، ... هذه هي الأحزاب التي يحدثنا عنها 'الرباعي المرح' في قيادة الحزب الوطني، وهي ممنوعة من العمل بالسياسة، وغالبية أصحابها من الوكلاء المعتمدين لجهاز مباحث أمن الدولة، وافترض أننا ضربنا صفحا وأعرضنا عن أحزاب المساكين الأمنيين، وتوقفنا ـ فقط ـ عند أحزاب كالتجمع والوفد والناصري لها صلة نسب تاريخي بالسياسة، سوف تجدها محبوسة في مقراتها، ويفرض عليها قانون الطوارئ ـ المعمول به منذ بداية حكم مبارك ـ ألا تتعامل مع الناس، فالتظاهرات والإضرابات والاعتصامات والاجتماعات العامة كلها محظورة، ولها فقط ـ أي للأحزاب ـ أن تصدر صحفا أو أن تدبج البيانات، وعلى ذكر الحوار الذي يعد له 'الرباعي المرح'، فقد دخلت هذه الأحزاب في الحوار مع الحكم لمرتين، مرة سنة 1994، وأخرى بعدها بعشر سنوات بالضبط، وانتهت القصة إلى 'حوار طرشان' مثالي، يستمع الحكم إلى مطالب أحزاب المعارضة المعترف بها رسميا، ثم يضعها ـ بعناية ـ في أقرب سلة مهملات، ويخرج بحصاد صور متلفزة تجمعه مع رؤساء أحزاب المعارضة، تماما كحصاد الصور التي تصور لنا أحمد عز ـ وصيف جمال مبارك ـ كأنه قائد سياسي خطير، بينما لا يزيد دوره عن دور الكابتن ماجد في مسلسلات قناة space toon ، وقد بدأ أحمد عز حياته كعازف درامز، ثم تطورت حياته وقفز وضعه إلى ملياردير تقدر ثروته بسبعين مليار جنيه مصري على الأقل، وهذه هي 'ثورة التطوير' التي قال أحمد عز ـ في مؤتمر الحزب الوطني الأخير ـ أن جمال مبارك فجرها (!) .ويصل الهزل إلى ذروته مع خطاب الأربعة عن الانتخابات، تنتفخ عروقهم وتحمر وجوههم، ويحدثونك عن استعداد 'الحزب الوطني' لمواجهة المنافسة الشرسة من جانب المعارضة، والمعارضة المقصودة ـ هنا ـ ليست معارضة الأحزاب الرسمية الأليفة، بل المعارضة على طريقة كفاية وائتلاف التغيير وجماعة الإخوان المسلمين 'غير الشرعية' (!)، ولو نظرت إلى الحمية التي تحدث بها 'الرباعي المرح'، فسوف تستذكر ـ تلقائيا ـ عظة المثل السيار عن الجنازة الحارة والميت الكلب، فالأخوان مبارك ـ ووصيفاهما ـ يعرفون ما نعرف، وما تعرفه الدنيا كلها، وهو أن قصة الانتخابات انتهت في مصر، وأنها تحولت إلى تعيينات إدارية بالأمر المباشر، وخصوصا بعد تعديلات الانقلاب على الدستور التي جرى الاستفتاء عليها صوريا في 26 اذار (مارس) 2007، وهو ما يعنى أن استحقاق الانتخابات البرلمانية المقررة في 2010، وانتخابات الرئاسة المقررة في 2011، هذه الاستحقاقات ليست انتخابية ولا يحزنون، فهي مجرد حوادث صورية هزلية تماما، وينطبق عليها ما انطبق على كل 'انتخابات' جرت بعد تاريخ 26 اذار (مارس) 2007، فلا ناخبين يذهبون للتصويت باستثناءات لا تتجاوز نسبة 3' من إجمالي الناخبين المقيدين، والعملية كلها تجري بإشراف ومعرفة ضباط الشرطة بعد الإلغاء العملي لإشراف القضاة، والنتائج معروفة سلفا، وتقترب من نسبة المئة بالمئة لخيال المآتة المسمى بالحزب الوطني، فمن أين ـ إذن ـ جاءت حرارة الحمية التي تحدث بها الأربعة ؟!، فلا درجة حرارة ولا شبهة منافسة في الموضوع، والقصة كلها كالطبيخ 'البايت'، اللهم إلا إذا كان للحمية المفتعلة دواع أخرى، أو كانت عملية التزوير تتطلب مجهودا بدنيا شاقا، فالحصول على موافقات وتوقيعات الرئيس ـ الثمانيني العمر ـ شيء مرهق، واحتمال المنافسة المحتدمة قائم بين ضباط الشرطة في مسابقة تأليف النتائج، وفي اختراع قواعد بيانات مزورة تزود بها أجهزة الكومبيوتر، وفي توزيع 'كوبونات نيابية' على أحزاب الأنس السياسي، ومقابل تكليفهم بأدوار الكومبارس في انتخابات رئاسية تنتهي ـ بحسب النص المسرحي ـ إلى بقاء الرئيس نفسه، أو تنصيب ابنه في حفل تتويج ملكي.القصة كلها ـ إذن ـ مجرد 'فيلم كارتون' سياسي، وكوميديا سوداء من قرن الخروب، و'ضحك كالبكا' على طريقة المتنبي رحم الله عصره .. ومصرنا.'
كاتب مصري
الاثنين، 9 نوفمبر 2009
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق