«الدولى للنقابات» يشن هجوماً حاداً على مصر بسبب «الطوارئ».. ويتهم الحكومة بالتدخل فى شؤون العمال
شن الأمين العام للاتحاد الدولى للنقابات، جاى رايدر، هجوماً حاداً على السلطات المصرية بسبب استمرار حالة الطوارئ تحت زعم أنها ضمن تدابير مكافحة الإرهاب، فى حين أنها ـ على حد قوله ـ مفروضة لكى يواصل النظام ملاحقاته لكل القوى السياسية والاجتماعية المعارضة فى مصر، والتى عملت الدولة على خنقها على مدار الـ٢٠ عاماً الماضية.
واتهم رايدر ـ فى تقرير استعرضه أمس خلال فعاليات مؤتمر العمل الدولى، المنعقد حالياً فى جنيف بسويسرا ـ الحكومة المصرية ممثلة فى وزارة القوى العاملة والهجرة، بالتدخل فى شؤون العمال وفى تنظيماتهم النقابية، والقيام بتعطيل حصولهم على حقهم فى حرية التكوين والانضمام للنقابات العمالية التى يرغبون فى الانضمام لها.
وقال: «إن حظر القوانين العمالية المصرية لمشاركة النقابات فى الأنشطة السياسية، يتنافى مع مبادئ الحرية، وحقوق تكوين الجمعيات»، مطالباً الحكومة ومنظمات أصحاب الأعمال والشركات بضرورة وضع حد أدنى للأجور يتناسب مع الزيادات المتواصلة فى أسعار جميع السلع والخدمات.
وأكد رايدر أن حق العمال فى تنظيم الإضراب بشكل رسمى فى مصر «لايزال أمراً مستحيلاً»، بسبب ما اعتبره قيوداً تفرضها القوانين المصرية على حق الإضراب، منتقداً وجود حق لرئيس الوزراء فى منع الإضرابات فى القطاعات الاستراتيجية.
وأشار إلى أن لجان حل المنازعات العمالية فى مصر «لا تقوم بدورها»، مدللاً على ذلك بقوله: «إن هذه اللجان تلقت فى عام ٢٠٠٥ ما يزيد على ٢٥٠ ألف شكوى، لم تُصدر أحكاماً سوى لما يقرب من ١٠٪ منها».
وأكد أن إعفاء المناطق الاقتصادية الخاصة بالتصدير، من الامتثال للأحكام القانونية المتعلقة بتنظيم العمل، يحرم العمال من حقهم فى تشكيل لجان نقابية تدافع عنهم.
وأوضح أنه على الرغم من مراقبة وإشراف الحكومة على المفاوضات والاتفاقات الجماعية فى القطاع الخاص، فإن الكثير من رجال الأعمال وممثلى الشركات لا يحترمون قرارات الحكومة بشأن العمال، ولا متطلبات الحد الأدنى للأجور، والضمان الاجتماعى، وغيرها من القضايا.
وانتقد الأمين العام للاتحاد الدولى للنقابات، قيام الدولة بفرض الإشراف القضائى «الحراسة» على النقابات المهنية «المهندسين والأطباء والصيادلة»، على الرغم من وجود مرشحين مستقلين قد فازوا بانتخاباتها فى سنوات سابقة.
السبت، 13 يونيو 2009
فاروق حسني:خسارتي خسارة لإسرائيل!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
ضمن حملته لتدعيم فرصته في اعتلاء منصب مدير عام منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو"، سافر وزير الثقافة المصري فاروق حسنى إلى العاصمة الفرنسية لازالة الصورة السلبية التي رسمتها الحملات التي قادها المثقفون اليهود في باريس.
ويخوض حسني منافسة شرسة مع ثمانية مرشحين من أجل خلافة المدير الحالى للمنظمة الدولية اليابانى كويشيرو ماتسورا، وتبدو آمال الوزير المصري قوية رغم دخول نائب وزير الخارجية الروسي الكسندر ياكوفنكو، والمفوضة الاوروبية للعلاقات الخارجية النمساوية بينيتا فيريرو فالدنر سباق الترشيح.
واعتبر الوزير المصري في تصريحات لوكالة الأنباء الفرنسية أن ترشحه لمنصب مدير عام اليونسكو يعد فرصة نادرة لدعم الحوار بين الثقافات المختلفة يجب علي الجميع استثمارها، مشددا أن خسارته ستكون بمثابة خسارة تاريخية حتي لإسرائيل نفسها.
ومن جانبها أكدت وزارة الخارجية الفرنسية أن زيارة حسنى الي فرنسا تندرج ضمن حملته الانتخابية للفوز بمنصب اليونسكو وليست زيارة رسمية، مشيرا الي إنه لن يتم استقبال الوزير بمقر وزارة الخارجية الفرنسية خلال هذه الزيارة.
وأوضح فريدريك ديزانيو مساعد المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية أن وزير الثقافة المصري يزور فرنسا بصورة منتظمة وقد تكررت كثيرا خلال شهرى مارس وأبريل الماضيين.
ديزانيو أعلن أن بلاده تترقب باهتمام كبير انتخابات المدير العام الجديد لمنظمة اليونسكو باعتبارها دولة المقر لمنظمة، والتي سوف يتم الاعلان عن المدير جديد في شهر سبتمبر المقبل.
وفي إطار متصل، واصل حسني خطبه ود الدولة العبرية بحثا عن سبل لتخفيف الحملات اليهودية المناهضة لترشحة للمنصب المرموق، وأكد في تصريحات لصحيفة "التليجراف" أنه لن يمانع في زيارة اسرائيل والتعاون معها بشكل كامل في حال فوزه بالمنصب.
وشدد أنه أبدا لم يتخذ موقفا معاديا لإسرائيل أو اليهود أو أى شخص، موضحا أن ما قاله بشأن حرق الكتب الإسرائيلية تم تأويله حيث جاء فى سياق الرد علي وجود كتب إسرائيلية تسئ للإسلام بمكتبة الإسكندرية ولتأكده من كذب الادعاء رد بشكل قاطع علي النائب المصرى بأن يأتي بهذه الكتب ليحرقها.
وزير الثقافة المصري أكد أنه يعلم أن عمل اليونيسكو يعتمد على إقامة علاقات دولية جيدة وإحلال السلام بين الشعوب، ونفي رفضه تطبيع العلاقات الثقافية بين مصر وإسرائيل وإنما يبحث عن تسوية سلمية مع الفلسطينيين قبل تطبيع العلاقات.
وتابع أن برنامجه يقوم علي المصالحة بين الحضارات والأديان وبين الإنسان والبيئة وقد دعا بنفسه أحد الموسيقيين اليهود لتقديم عرض موسيقى فى مصر مما يؤكد علي إحترامه للجميع، كما تبني الاهتمام بتعليم المرأة والقضاء علي بؤر الصراع في العالم.
من جانبها كتبت الصحيفة البريطانية أن " حسنى هو المرشح الأفضل لتقلد المنصب رغم الحملة المضادة من جانب المثقفين الفرنسيين، وأكدت ان ترشيح الوزير المصري اختبار للغرب في التعامل مع المسلمين المعتدلين خاصة بعد خطاب اوباما الي جانب مواقف حسنى القوية من اجل حرية التعبير والتصدي للاتجاه المتزايد لارتداء المرأة المصرية للحجاب" !.
ومن المقرر أن يقضي حسنى عدة أيام في باريس يعقد خلالها عدة جلسات مع كبار المسؤولين الفرنسيين والسفراء المعتمدين لدى اليونسكو،وعدد من الشخصيات البارزة فى وسائل الإعلام الفرنسية والدولية.
ويخوض حسني منافسة شرسة مع ثمانية مرشحين من أجل خلافة المدير الحالى للمنظمة الدولية اليابانى كويشيرو ماتسورا، وتبدو آمال الوزير المصري قوية رغم دخول نائب وزير الخارجية الروسي الكسندر ياكوفنكو، والمفوضة الاوروبية للعلاقات الخارجية النمساوية بينيتا فيريرو فالدنر سباق الترشيح.
واعتبر الوزير المصري في تصريحات لوكالة الأنباء الفرنسية أن ترشحه لمنصب مدير عام اليونسكو يعد فرصة نادرة لدعم الحوار بين الثقافات المختلفة يجب علي الجميع استثمارها، مشددا أن خسارته ستكون بمثابة خسارة تاريخية حتي لإسرائيل نفسها.
ومن جانبها أكدت وزارة الخارجية الفرنسية أن زيارة حسنى الي فرنسا تندرج ضمن حملته الانتخابية للفوز بمنصب اليونسكو وليست زيارة رسمية، مشيرا الي إنه لن يتم استقبال الوزير بمقر وزارة الخارجية الفرنسية خلال هذه الزيارة.
وأوضح فريدريك ديزانيو مساعد المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية أن وزير الثقافة المصري يزور فرنسا بصورة منتظمة وقد تكررت كثيرا خلال شهرى مارس وأبريل الماضيين.
ديزانيو أعلن أن بلاده تترقب باهتمام كبير انتخابات المدير العام الجديد لمنظمة اليونسكو باعتبارها دولة المقر لمنظمة، والتي سوف يتم الاعلان عن المدير جديد في شهر سبتمبر المقبل.
وفي إطار متصل، واصل حسني خطبه ود الدولة العبرية بحثا عن سبل لتخفيف الحملات اليهودية المناهضة لترشحة للمنصب المرموق، وأكد في تصريحات لصحيفة "التليجراف" أنه لن يمانع في زيارة اسرائيل والتعاون معها بشكل كامل في حال فوزه بالمنصب.
وشدد أنه أبدا لم يتخذ موقفا معاديا لإسرائيل أو اليهود أو أى شخص، موضحا أن ما قاله بشأن حرق الكتب الإسرائيلية تم تأويله حيث جاء فى سياق الرد علي وجود كتب إسرائيلية تسئ للإسلام بمكتبة الإسكندرية ولتأكده من كذب الادعاء رد بشكل قاطع علي النائب المصرى بأن يأتي بهذه الكتب ليحرقها.
وزير الثقافة المصري أكد أنه يعلم أن عمل اليونيسكو يعتمد على إقامة علاقات دولية جيدة وإحلال السلام بين الشعوب، ونفي رفضه تطبيع العلاقات الثقافية بين مصر وإسرائيل وإنما يبحث عن تسوية سلمية مع الفلسطينيين قبل تطبيع العلاقات.
وتابع أن برنامجه يقوم علي المصالحة بين الحضارات والأديان وبين الإنسان والبيئة وقد دعا بنفسه أحد الموسيقيين اليهود لتقديم عرض موسيقى فى مصر مما يؤكد علي إحترامه للجميع، كما تبني الاهتمام بتعليم المرأة والقضاء علي بؤر الصراع في العالم.
من جانبها كتبت الصحيفة البريطانية أن " حسنى هو المرشح الأفضل لتقلد المنصب رغم الحملة المضادة من جانب المثقفين الفرنسيين، وأكدت ان ترشيح الوزير المصري اختبار للغرب في التعامل مع المسلمين المعتدلين خاصة بعد خطاب اوباما الي جانب مواقف حسنى القوية من اجل حرية التعبير والتصدي للاتجاه المتزايد لارتداء المرأة المصرية للحجاب" !.
ومن المقرر أن يقضي حسنى عدة أيام في باريس يعقد خلالها عدة جلسات مع كبار المسؤولين الفرنسيين والسفراء المعتمدين لدى اليونسكو،وعدد من الشخصيات البارزة فى وسائل الإعلام الفرنسية والدولية.
الخميس، 28 مايو 2009
عن مصر المكان والمكانة * فهمي هويدي
حين يختار الرئيس باراك أوباما القاهرة لكي يوجه منها رسالة إلى العالم العربي والإسلامي، فإن أحد الأسئلة التي ينبغي أن نفكر في الإجابة عنها هو ما إذا كان قد قصد المكان أم المكانة؟.
(1)
ما دعاني إلى طرح السؤال أنه منذ أعلن النبأ في واشنطن، فإن صداه في مصر كان مبالغاً فيه، حتى ذهب سيل التحليلات التي نشرت في الصحف القومية بوجه أخص إلى أن القرار بمثابة شهادة جدارة للوضع القائم في مصر ووسام رصع جبينها. ولم يفت الذين كتبوا ذلك الكلام أن يشددوا على أن اختيار الرئيس الأمريكي يرد على المتشككين ويقطع ألسنة المتقولين الذين يتحدثون عن تراجع مكانة مصر ودورها في محيطها العربي والإسلامي.
ولم تكن تلك هي المبالغة الوحيدة، لأنني أحد الذين يزعمون أن الآمال المعلقة على الإدارة الأمريكية الجديدة لا تخلو بدورها من مبالغة. وقد قصدت استخدام مصطلح الإدارة الأمريكية، لأن السياسة هناك ليست محكومة بنوايا الرئيس ورغباته الشخصية، ولكنها تمر بقنوات مؤسسية كثيرة تؤثر على قرار الرئيس وموقفه، بحيث قد تجعل من السياسة شيئا آخر مختلفا عما يردده السياسي الجالس على مقعد الرئيس. وهذا شق في المسألة تصدى له عدد غير قليل من المعلقين الذين دعوا إلى عدم التسرع والاستباق في الحكم على سياسة الرجل، ومن ثم التعامل مع مقولاته بخليط من الترقب والحذر، انتظارا للمرحلة التي تترجم فيه رسائله المطمئنة والمريحة إلى أفعال ومواقف تتبناها إدارته وحكومته. وحين يتعلق الأمر بالشرق الأوسط وبالعلاقة مع الإسلام والمسلمين بوجه أخص، فإن الحذر يصبح أوجب، لأن لأي رئيس أمريكي كوابح وحدودا في التعامل معها لا يستطيع أن يتجاوزها، حتى لو أراد.
لست في صدد تقييم موقف الإدارة الأمريكية الجديدة، ولكني معنى بمحاولة الإجابة عن السؤال الذي طرحته في البداية، المتعلق بالمكان والمكانة في مصر الراهنة. وهو ما يدعوني إلى استطراد بسيط يسلط الضوء على خلفيات زيارة الـ14 ساعة التي سيقوم بها الرئيس أوباما الى مصر في الرابع من شهر يونيو المقبل، ذلك أن الباحث لا تفوته ملاحظة أن الرئيس الأمريكي كان قد خاطب العالم العربي والإسلامي مباشرة مرتين على الأقل خلال المئة يوم الأولى من ولايته، إحداها أثناء زيارته لتركيا في الخامس من شهر أبريل الماضي، والثانية جاءت في ثنايا الرسالة التي وجهها إلى الشعب الإيراني بمناسبة عيد النوروز في شهر مارس. وقبل ذلك وجه إشارة إيجابية في أكثر من خطاب له ذكر فيها أن الولايات المتحدة ليست في حرب أو اشتباك مع الإسلام، بل إنه لم يستخدم مصطلح الحرب ضد الإرهاب، الذي لم يكن يخلو منه بيان سياسي صادر عن الإدارة السابقة.
إذا صح أنه سيوجه من القاهرة في زيارته المرتقبة رسالة إلى العالم العربي والإسلامي للمرة الثالثة، فإن ذلك يحتاج إلى تفسير. وقد ألقيت سؤالا في هذه النقطة على الصحافي الأمريكي البارز سيمور هيرش، محرر مجلة «نيو يوركر» الذائع الصيت، حين التقيت به في دبي قبل أيام. في رده قال إنه ليست لديه إجابة محددة، لكنه لا يستبعد أحد احتمالين، أحدهما أن يكون لدى الرئيس أوباما ما يقوله بخصوص الصراع العربي الإسرائيلي، خصوصا أن زيارته للقاهرة تأتي بعد لقائه في واشنطن مع ممثلين للأطراف الثلاثة: ممثلي «المعتدلين» العرب والإسرائيليين والفلسطينيين. الاحتمال الثاني أن يكون أوباما قد أدخل تعديلا على برنامج زيارته الخارجية بناء على نصيحة بعض الجهات المعنية في واشنطن، لكي يوجه لفتة خاصة إلى مصر، التي ترعى حوار الفصائل الفلسطينية فيما تحتفظ بعلاقات إيجابية مع إسرائيل، خصوصا أن القاهرة كانت قد توقعت من البداية أن تكون هي لا أنقرة المنصة التي يوجه منها الرئيس الأمريكي الجديد أول خطاباته إلى العالم الإسلامي.
(2)
موضوع مكانة مصر أثير في الاجتماع الأخير لمنتدى الإعلام العربي الذي عقد في دبي قبل عشرة أيام. إذ خصصت جلسة للفضائيات المصرية طرح فيها السؤال التالي: هل يمكن أن يستعيد الإعلام المصري مجده؟ دعك من أن الإعلام اختزل في الفضائيات دون غيرها، الأمر الذي استدعى استضافة أربعة من مسئولي ونجوم القنوات المصرية، لأن السؤال تمت صياغته بصورة افترضت أن الإعلام المصري لم يعد مؤثرا في الفضاء العربي. وهذا الافتراض لم يختلف عليه أحد سواء من المتحدثين على المنصة، أو من نخبة المثقفين المشاركين في الجلسة.
المتحدثون أثاروا ثلاث نقاط. الأولى أن لديهم هامشا واسعا في الحركة، والثانية أنهم يدركون أنهم يؤدون مهمتهم في حدود الظروف المتاحة، مدركين أنهم يعيشون في بلد له أوضاعه الخاصة التي تختلف عن النماذج السائدة في أوروبا مثلا. والثالثة أنهم يدركون أن هناك طفرة إعلامية في العالم العربي، وأن مسألة الريادة المصرية في الإعلام لم تستمر، بعدما طور الإعلام العربي من إمكانياته وأصبح الجميع يتنافسون على جذب المشاهد العربي.
كلام ممثلي القنوات الفضائية المصرية كان صادقا ومعقولا. أما صدى الكلام لدى جمهور الحاضرين فقد كان مثيرا للانتباه. ذلك أن الأغلبية الساحقة من المتحدثين ركزوا على أن الفضائيات المصرية تعاني من الانكفاء والتركيز على الداخل. حتى قال أحد المعقلين إنها ليست فضائيات بالمعنى المعروف، ولكنها قنوات محلية عاجزة عن مخاطبة المشاهد العربي. آخرون تحدثوا عن انخفاض سقف الحرية في القنوات المصرية، الأمر الذي جعلها متخلفة عن قنوات عربية أخرى منافسة. وخلال المناقشة سمعت اثنين من المثقفين العرب يقول أحدهما للآخر إن مصر حين تقود الدعوة إلى مراقبة مكاتب الفضائيات العربية وتستصدر لذلك قرارا من وزراء الإعلام العرب، فإن ذلك يغلق الباب أمام احتمال استعادة الإعلام المصري مجده، فرد الآخر قائلا "إنه اذا كانت وزارة الإعلام المصرية تتبنى هذا الموقف إزاء القنوات العربية، فلا بد أن تكون قبضتها الرقابية على القنوات المحلية أشد وأكثر صرامة". في هذه الأثناء وقف أحد المثقفين قائلا "إنه ليس من العدل أن يوجه كل اللوم والعتاب للقنوات الفضائية، لأن الإعلام في مصر إذا كان منكفئا أو مقيد الحركة، فإن ذلك يعد مرآة للسياسة، ولذلك فليس من الإنصاف أن يوجه الاتهام للإعلام المصري بالضعف، لأن الضعف الحقيقي يكمن في تراجع السياسة المسيطرة.
(3)
هذا التشخيص له شواهد أخرى تؤيده، لأن غياب التأثير المصري عن ساحة الإعلام له نظيره في عالم السياسة. ذلك أن الذي يتاح لهم أن يترددوا في العواصم العربية في المشرق والمغرب ـ وأنا أحدهم ـ يواجهون حيثما ذهبوا بالسؤال: أين مصر ومتى تعود؟ وكانت السودان أحدث محطة سمعت فيها السؤال، حتى قال لي أحد مثقفيهم إن الرؤساء والملوك العرب حيت وقعوا في انشاص عام 1946 بيانهم الخاص بشأن فلسطين، فإن الملك فاروق وُصِف في البيان بأنه "صاحب بلاد النوبة والسودان وكردفان و دارفور". وعلق على ذلك قائلا "إن مصر الراهنة نفضت يدها من كل ذلك وأدارت ظهرها لحدودها الجنوبية تماماً، حتى أصبح بعض الناس فيها لا يعرفون الفرق بين دارفور وكارفور (المتجر الكبير). وقال لي مثقف تونسي ذات مرة إن مصر في السابق كانت ترسل إلى تونس نخبة من أساتذة الجامعات المرموقين، ولكنها أصبحت الآن توفد إليها ضباط المباحث، ورجال أمن الدولة.
وفي لبنان ـ كما في أوساط الفصائل الفلسطينية ـ يتحدثون عن غياب مصر الشقيقة الكبرى، وظهور وجه آخر لمصر لم تعد فيه فوق الصراعات والتحالفات، ولكنها أصبحت طرفا في تلك الصراعات والتحالفات، الأمر الذي نال من هيبتها ومرجعيتها. واستوقفني في حوار مع بعض ممثلي الفصائل قول أحدهم إنهم يجيئون إلى القاهرة امتثالا «لقهر الجغرافيا». وكان المصطلح جديداً على مسامعي، حيث أدركت أن المقصود به هو الضرورة الجغرافية الملحة التي جعلت غزة ملاصقة للحدود المصرية، ومن ثم أصبحت المنفذ الوحيد للفلسطينيين إلى العالم الخارجي، الذي لا يمر بإسرائيل.
الشواهد كثيرة على تغير المكانة واختلافها في العقود الثلاثة الأخيرة، عما كانت عليه قبل ذلك. حتى شاع في الكتابات السياسية وصف تلك العقود بأنها مرحلة "الجزر"، في مقابل سابقاتها التي اعتبرت سنوات المد القومي.
لا غرابة والأمر كذلك، أن يتحدث الباحثون في الشئون الإستراتيجية والسياسية عن ثلاثة مشروعات تتحرك في المنطقة هي: التركي والإيراني والإسرائيلي. ولا يكاد المرء يجد إشارة إلى تحرك للدور المصري إلا في حدود ما تنشره صحفنا القومية لأسباب مفهومة. وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة فإننا لا نكاد نجد دورا لمصر الراهنة إلا في حدود رعاية حوارات الساحة الفلسطينية التي فرضتها الضرورة الجغرافية. ولا يفوتنا هنا أن نلاحظ أن بلدا مثل قطر (لا وجه للمقارنة مع تركيا بالمناسبة) أصبح يتحرك على مساحة في العالم العربي أوسع بكثير، حتى أثبت وجودا في لبنان وفلسطين واليمن وفي العلاقات بين تشاد والسودان.
(4)
تسلط كتابات الدكتور جمال حمدان، عالم الجغرافيا السياسية الأشهر، أضواء مهمة على الدور المصري في صعوده وتراجعه. ويظل كتابه عن عبقرية المكان في «شخصية مصر» مرجعا مهما في ذلك، رغم صدور أجزائه الثلاثة قبل نحو 30 عاما. وقد وقعت في ثنايا الجزء الثاني من مؤلفه على بعض الخلاصات التي تتصل بجوهر الموضوع الذي نحن بصدده. ولم أستطع أن أقاوم الرغبة في التذكير بها في ختام المقال. من ذلك قوله ما يلي:
ـ كقاعدة عامة أساسية، تتناسب قوة مصر السياسية تناسبا عكسيا مع درجة عزلتها وانغلاقها داخل حدودها وتقلص ظلها الخارجي، وطرديا مع مدى انطلاقها خارج حدودها. فكلما كانت مصر ضعيفة عاجزة، تضاءل حجمها السياسي وخف وزنها، كلما انطوت وتقوقعت داخل حدودها وتقلص ظلها الخارجي. وعلى العكس، كلما كانت قوية فوارة وزاد ثقلها، كلما فاضت قدرتها خارج حدودها وامتد نفوذها وتمدد وجودها عبرها (ص 723).
ـ كما كانت عزلة مصر السياسية تعني عزلتها عن العرب بالتحديد، فإن تلك العزلة كانت دائما نتيجة لارتباطها بالغرب بالتحديد. فسواء في ظل خضوعها للاستعمار المباشر كما في مصر الملكية، أو في ظل تعاونها معه كما في السبعينيات أخيرا، فإن عزلة مصر العربية كانت من نتاج ارتباطها بالغرب عموما واستعماره أو إمبرياليته خصوصا. وعلى العكس كان الاستقلال السياسي الحقيقي يرادف كسر العزلة السياسية وفك العزلة عن العرب بالدقة. (ص 724).
ـ أثبتت تجربة القرن الأخير على الأقل أن الاستعمار الغربي أو الإمبريالية العالمية لا مانع لديها بالضرورة من الاعتراف بزعامة مصر الإقليمية أو العربية في حد ذاتها، إذا ما هي اعترفت بالتبعية لها أو بالتحالف معها. فما دامت زعامة مصر الإقليمية تضمن لها أن تنقاد المنطقة برمتها خلفها والتبعية لها، فلا بأس في الاعتراف لها بتلك الزعامة بل وتثبيتها فيها. (ص 725).
إنك إذا طالعت هذه الخلاصات مرة ثانية، فستجد فيها إجابة عن كثير من الأسئلة المثارة حول مكان مصر ومكانتها. كما ستجد فيها تفسيراً لعوامل المد والجزر في الحالة المصرية، قد تريحك من ناحية وتعذبك من ناحية أخرى.
(1)
ما دعاني إلى طرح السؤال أنه منذ أعلن النبأ في واشنطن، فإن صداه في مصر كان مبالغاً فيه، حتى ذهب سيل التحليلات التي نشرت في الصحف القومية بوجه أخص إلى أن القرار بمثابة شهادة جدارة للوضع القائم في مصر ووسام رصع جبينها. ولم يفت الذين كتبوا ذلك الكلام أن يشددوا على أن اختيار الرئيس الأمريكي يرد على المتشككين ويقطع ألسنة المتقولين الذين يتحدثون عن تراجع مكانة مصر ودورها في محيطها العربي والإسلامي.
ولم تكن تلك هي المبالغة الوحيدة، لأنني أحد الذين يزعمون أن الآمال المعلقة على الإدارة الأمريكية الجديدة لا تخلو بدورها من مبالغة. وقد قصدت استخدام مصطلح الإدارة الأمريكية، لأن السياسة هناك ليست محكومة بنوايا الرئيس ورغباته الشخصية، ولكنها تمر بقنوات مؤسسية كثيرة تؤثر على قرار الرئيس وموقفه، بحيث قد تجعل من السياسة شيئا آخر مختلفا عما يردده السياسي الجالس على مقعد الرئيس. وهذا شق في المسألة تصدى له عدد غير قليل من المعلقين الذين دعوا إلى عدم التسرع والاستباق في الحكم على سياسة الرجل، ومن ثم التعامل مع مقولاته بخليط من الترقب والحذر، انتظارا للمرحلة التي تترجم فيه رسائله المطمئنة والمريحة إلى أفعال ومواقف تتبناها إدارته وحكومته. وحين يتعلق الأمر بالشرق الأوسط وبالعلاقة مع الإسلام والمسلمين بوجه أخص، فإن الحذر يصبح أوجب، لأن لأي رئيس أمريكي كوابح وحدودا في التعامل معها لا يستطيع أن يتجاوزها، حتى لو أراد.
لست في صدد تقييم موقف الإدارة الأمريكية الجديدة، ولكني معنى بمحاولة الإجابة عن السؤال الذي طرحته في البداية، المتعلق بالمكان والمكانة في مصر الراهنة. وهو ما يدعوني إلى استطراد بسيط يسلط الضوء على خلفيات زيارة الـ14 ساعة التي سيقوم بها الرئيس أوباما الى مصر في الرابع من شهر يونيو المقبل، ذلك أن الباحث لا تفوته ملاحظة أن الرئيس الأمريكي كان قد خاطب العالم العربي والإسلامي مباشرة مرتين على الأقل خلال المئة يوم الأولى من ولايته، إحداها أثناء زيارته لتركيا في الخامس من شهر أبريل الماضي، والثانية جاءت في ثنايا الرسالة التي وجهها إلى الشعب الإيراني بمناسبة عيد النوروز في شهر مارس. وقبل ذلك وجه إشارة إيجابية في أكثر من خطاب له ذكر فيها أن الولايات المتحدة ليست في حرب أو اشتباك مع الإسلام، بل إنه لم يستخدم مصطلح الحرب ضد الإرهاب، الذي لم يكن يخلو منه بيان سياسي صادر عن الإدارة السابقة.
إذا صح أنه سيوجه من القاهرة في زيارته المرتقبة رسالة إلى العالم العربي والإسلامي للمرة الثالثة، فإن ذلك يحتاج إلى تفسير. وقد ألقيت سؤالا في هذه النقطة على الصحافي الأمريكي البارز سيمور هيرش، محرر مجلة «نيو يوركر» الذائع الصيت، حين التقيت به في دبي قبل أيام. في رده قال إنه ليست لديه إجابة محددة، لكنه لا يستبعد أحد احتمالين، أحدهما أن يكون لدى الرئيس أوباما ما يقوله بخصوص الصراع العربي الإسرائيلي، خصوصا أن زيارته للقاهرة تأتي بعد لقائه في واشنطن مع ممثلين للأطراف الثلاثة: ممثلي «المعتدلين» العرب والإسرائيليين والفلسطينيين. الاحتمال الثاني أن يكون أوباما قد أدخل تعديلا على برنامج زيارته الخارجية بناء على نصيحة بعض الجهات المعنية في واشنطن، لكي يوجه لفتة خاصة إلى مصر، التي ترعى حوار الفصائل الفلسطينية فيما تحتفظ بعلاقات إيجابية مع إسرائيل، خصوصا أن القاهرة كانت قد توقعت من البداية أن تكون هي لا أنقرة المنصة التي يوجه منها الرئيس الأمريكي الجديد أول خطاباته إلى العالم الإسلامي.
(2)
موضوع مكانة مصر أثير في الاجتماع الأخير لمنتدى الإعلام العربي الذي عقد في دبي قبل عشرة أيام. إذ خصصت جلسة للفضائيات المصرية طرح فيها السؤال التالي: هل يمكن أن يستعيد الإعلام المصري مجده؟ دعك من أن الإعلام اختزل في الفضائيات دون غيرها، الأمر الذي استدعى استضافة أربعة من مسئولي ونجوم القنوات المصرية، لأن السؤال تمت صياغته بصورة افترضت أن الإعلام المصري لم يعد مؤثرا في الفضاء العربي. وهذا الافتراض لم يختلف عليه أحد سواء من المتحدثين على المنصة، أو من نخبة المثقفين المشاركين في الجلسة.
المتحدثون أثاروا ثلاث نقاط. الأولى أن لديهم هامشا واسعا في الحركة، والثانية أنهم يدركون أنهم يؤدون مهمتهم في حدود الظروف المتاحة، مدركين أنهم يعيشون في بلد له أوضاعه الخاصة التي تختلف عن النماذج السائدة في أوروبا مثلا. والثالثة أنهم يدركون أن هناك طفرة إعلامية في العالم العربي، وأن مسألة الريادة المصرية في الإعلام لم تستمر، بعدما طور الإعلام العربي من إمكانياته وأصبح الجميع يتنافسون على جذب المشاهد العربي.
كلام ممثلي القنوات الفضائية المصرية كان صادقا ومعقولا. أما صدى الكلام لدى جمهور الحاضرين فقد كان مثيرا للانتباه. ذلك أن الأغلبية الساحقة من المتحدثين ركزوا على أن الفضائيات المصرية تعاني من الانكفاء والتركيز على الداخل. حتى قال أحد المعقلين إنها ليست فضائيات بالمعنى المعروف، ولكنها قنوات محلية عاجزة عن مخاطبة المشاهد العربي. آخرون تحدثوا عن انخفاض سقف الحرية في القنوات المصرية، الأمر الذي جعلها متخلفة عن قنوات عربية أخرى منافسة. وخلال المناقشة سمعت اثنين من المثقفين العرب يقول أحدهما للآخر إن مصر حين تقود الدعوة إلى مراقبة مكاتب الفضائيات العربية وتستصدر لذلك قرارا من وزراء الإعلام العرب، فإن ذلك يغلق الباب أمام احتمال استعادة الإعلام المصري مجده، فرد الآخر قائلا "إنه اذا كانت وزارة الإعلام المصرية تتبنى هذا الموقف إزاء القنوات العربية، فلا بد أن تكون قبضتها الرقابية على القنوات المحلية أشد وأكثر صرامة". في هذه الأثناء وقف أحد المثقفين قائلا "إنه ليس من العدل أن يوجه كل اللوم والعتاب للقنوات الفضائية، لأن الإعلام في مصر إذا كان منكفئا أو مقيد الحركة، فإن ذلك يعد مرآة للسياسة، ولذلك فليس من الإنصاف أن يوجه الاتهام للإعلام المصري بالضعف، لأن الضعف الحقيقي يكمن في تراجع السياسة المسيطرة.
(3)
هذا التشخيص له شواهد أخرى تؤيده، لأن غياب التأثير المصري عن ساحة الإعلام له نظيره في عالم السياسة. ذلك أن الذي يتاح لهم أن يترددوا في العواصم العربية في المشرق والمغرب ـ وأنا أحدهم ـ يواجهون حيثما ذهبوا بالسؤال: أين مصر ومتى تعود؟ وكانت السودان أحدث محطة سمعت فيها السؤال، حتى قال لي أحد مثقفيهم إن الرؤساء والملوك العرب حيت وقعوا في انشاص عام 1946 بيانهم الخاص بشأن فلسطين، فإن الملك فاروق وُصِف في البيان بأنه "صاحب بلاد النوبة والسودان وكردفان و دارفور". وعلق على ذلك قائلا "إن مصر الراهنة نفضت يدها من كل ذلك وأدارت ظهرها لحدودها الجنوبية تماماً، حتى أصبح بعض الناس فيها لا يعرفون الفرق بين دارفور وكارفور (المتجر الكبير). وقال لي مثقف تونسي ذات مرة إن مصر في السابق كانت ترسل إلى تونس نخبة من أساتذة الجامعات المرموقين، ولكنها أصبحت الآن توفد إليها ضباط المباحث، ورجال أمن الدولة.
وفي لبنان ـ كما في أوساط الفصائل الفلسطينية ـ يتحدثون عن غياب مصر الشقيقة الكبرى، وظهور وجه آخر لمصر لم تعد فيه فوق الصراعات والتحالفات، ولكنها أصبحت طرفا في تلك الصراعات والتحالفات، الأمر الذي نال من هيبتها ومرجعيتها. واستوقفني في حوار مع بعض ممثلي الفصائل قول أحدهم إنهم يجيئون إلى القاهرة امتثالا «لقهر الجغرافيا». وكان المصطلح جديداً على مسامعي، حيث أدركت أن المقصود به هو الضرورة الجغرافية الملحة التي جعلت غزة ملاصقة للحدود المصرية، ومن ثم أصبحت المنفذ الوحيد للفلسطينيين إلى العالم الخارجي، الذي لا يمر بإسرائيل.
الشواهد كثيرة على تغير المكانة واختلافها في العقود الثلاثة الأخيرة، عما كانت عليه قبل ذلك. حتى شاع في الكتابات السياسية وصف تلك العقود بأنها مرحلة "الجزر"، في مقابل سابقاتها التي اعتبرت سنوات المد القومي.
لا غرابة والأمر كذلك، أن يتحدث الباحثون في الشئون الإستراتيجية والسياسية عن ثلاثة مشروعات تتحرك في المنطقة هي: التركي والإيراني والإسرائيلي. ولا يكاد المرء يجد إشارة إلى تحرك للدور المصري إلا في حدود ما تنشره صحفنا القومية لأسباب مفهومة. وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة فإننا لا نكاد نجد دورا لمصر الراهنة إلا في حدود رعاية حوارات الساحة الفلسطينية التي فرضتها الضرورة الجغرافية. ولا يفوتنا هنا أن نلاحظ أن بلدا مثل قطر (لا وجه للمقارنة مع تركيا بالمناسبة) أصبح يتحرك على مساحة في العالم العربي أوسع بكثير، حتى أثبت وجودا في لبنان وفلسطين واليمن وفي العلاقات بين تشاد والسودان.
(4)
تسلط كتابات الدكتور جمال حمدان، عالم الجغرافيا السياسية الأشهر، أضواء مهمة على الدور المصري في صعوده وتراجعه. ويظل كتابه عن عبقرية المكان في «شخصية مصر» مرجعا مهما في ذلك، رغم صدور أجزائه الثلاثة قبل نحو 30 عاما. وقد وقعت في ثنايا الجزء الثاني من مؤلفه على بعض الخلاصات التي تتصل بجوهر الموضوع الذي نحن بصدده. ولم أستطع أن أقاوم الرغبة في التذكير بها في ختام المقال. من ذلك قوله ما يلي:
ـ كقاعدة عامة أساسية، تتناسب قوة مصر السياسية تناسبا عكسيا مع درجة عزلتها وانغلاقها داخل حدودها وتقلص ظلها الخارجي، وطرديا مع مدى انطلاقها خارج حدودها. فكلما كانت مصر ضعيفة عاجزة، تضاءل حجمها السياسي وخف وزنها، كلما انطوت وتقوقعت داخل حدودها وتقلص ظلها الخارجي. وعلى العكس، كلما كانت قوية فوارة وزاد ثقلها، كلما فاضت قدرتها خارج حدودها وامتد نفوذها وتمدد وجودها عبرها (ص 723).
ـ كما كانت عزلة مصر السياسية تعني عزلتها عن العرب بالتحديد، فإن تلك العزلة كانت دائما نتيجة لارتباطها بالغرب بالتحديد. فسواء في ظل خضوعها للاستعمار المباشر كما في مصر الملكية، أو في ظل تعاونها معه كما في السبعينيات أخيرا، فإن عزلة مصر العربية كانت من نتاج ارتباطها بالغرب عموما واستعماره أو إمبرياليته خصوصا. وعلى العكس كان الاستقلال السياسي الحقيقي يرادف كسر العزلة السياسية وفك العزلة عن العرب بالدقة. (ص 724).
ـ أثبتت تجربة القرن الأخير على الأقل أن الاستعمار الغربي أو الإمبريالية العالمية لا مانع لديها بالضرورة من الاعتراف بزعامة مصر الإقليمية أو العربية في حد ذاتها، إذا ما هي اعترفت بالتبعية لها أو بالتحالف معها. فما دامت زعامة مصر الإقليمية تضمن لها أن تنقاد المنطقة برمتها خلفها والتبعية لها، فلا بأس في الاعتراف لها بتلك الزعامة بل وتثبيتها فيها. (ص 725).
إنك إذا طالعت هذه الخلاصات مرة ثانية، فستجد فيها إجابة عن كثير من الأسئلة المثارة حول مكان مصر ومكانتها. كما ستجد فيها تفسيراً لعوامل المد والجزر في الحالة المصرية، قد تريحك من ناحية وتعذبك من ناحية أخرى.
فاروق حسني يندم على تصريحاته ضد إسرائيل
(أبدى وزير الثقافة المصري فاروق حسني ندمه على تصريحاته السابقة المعادية لإسرائيل وطلب أن يُقبل اعتذاره. وقال الوزير المرشح لتولي منصب المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) في مقال كتبه لصحيفة لوموند الفرنسية تنشرها في عددها الصادر الخميس إنه يتفهم الصدمة التي أحدثتها تصريحاته السابقة وأعرب في الوقت نفسه عن أسفه لهذه الكلمات التي استخدمها خاصة، وأنها لا تتطابق مع الثوابت التي يؤمن بها. وأضاف حسني أنه يمقت العنصرية أكثر من أي شيء آخر، بما في ذلك مجرد الرغبة في التحدث بشكل جارح عن الثقافة اليهودية أو أي ثقافة أخرى ووصف الوزير نفسه بأنه "رجل سلام".
من جهتها رحبت الحكومة الإسرائيلية باعتذار فاروق حسني عن تصريحاته السابقة، التي وصفتها تل أبيب بأنها "معادية لإسرائيل".
وذكرت الإذاعة الإسرائيلية، مساء الأربعاء، أن هذا الترحيب جاء في بيان رسمي أصدرته وزارة الخارجية الإسرائيلية، وقالت إن هذا الاعتذار جاء في أعقاب معارضة تل أبيب قبول تعيين حسني في منصب المدير العام لمنظمة اليونيسكو.وكان وزير الثقافة المصري قد حط من شأن الثقافة الإسرائيلية أمام مجلس الشعب المصري العام الماضي واتهمها بالعدوانية والعنصرية والغموض، وقال لعضو في المجلس سأله عن إمكانية تسرب كتب عبرية إلى مكتبة الإسكندرية "احضر هذه الكتب وفي حال وجودها سأحرقها أمام عينيك". من ناحية أخرى قالت المتحدثة باسم اليونسكو سو وليامز في باريس إن المنافسة على خلافة المدير العام الحالي لليونسكو كويشيرو ماتسورا تشمل بالإضافة للوزير المصري ستة مرشحين من بينهم نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر جاكوفينكو وباقي المرشحين من ليتوانيا وبلغاريا وتنزانيا والجزائر وبنين. ومن المقرر أن تنتهي المهلة المحددة لتقديم طلبات الترشيح في نهاية الشهر الجاري وبعدها سيطرح المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو قائمة رسمية للمرشحين تمهيدا لاختيار المدير العام الجديد عبر المؤتمر العام للمنظمة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل. يذكر أن المرشح المصري يواجه منذ أيام انتقادات حادة وموجة كبيرة من الاحتجاج وتشكلت ضده في ألمانيا جبهة معارضة لانتخابه مديرا لليونسكو، كما حذر مجلس الثقافة الألماني والمجلس المركزي لليهود في ألمانيا من انتخاب الوزير المصري
من جهتها رحبت الحكومة الإسرائيلية باعتذار فاروق حسني عن تصريحاته السابقة، التي وصفتها تل أبيب بأنها "معادية لإسرائيل".
وذكرت الإذاعة الإسرائيلية، مساء الأربعاء، أن هذا الترحيب جاء في بيان رسمي أصدرته وزارة الخارجية الإسرائيلية، وقالت إن هذا الاعتذار جاء في أعقاب معارضة تل أبيب قبول تعيين حسني في منصب المدير العام لمنظمة اليونيسكو.وكان وزير الثقافة المصري قد حط من شأن الثقافة الإسرائيلية أمام مجلس الشعب المصري العام الماضي واتهمها بالعدوانية والعنصرية والغموض، وقال لعضو في المجلس سأله عن إمكانية تسرب كتب عبرية إلى مكتبة الإسكندرية "احضر هذه الكتب وفي حال وجودها سأحرقها أمام عينيك". من ناحية أخرى قالت المتحدثة باسم اليونسكو سو وليامز في باريس إن المنافسة على خلافة المدير العام الحالي لليونسكو كويشيرو ماتسورا تشمل بالإضافة للوزير المصري ستة مرشحين من بينهم نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر جاكوفينكو وباقي المرشحين من ليتوانيا وبلغاريا وتنزانيا والجزائر وبنين. ومن المقرر أن تنتهي المهلة المحددة لتقديم طلبات الترشيح في نهاية الشهر الجاري وبعدها سيطرح المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو قائمة رسمية للمرشحين تمهيدا لاختيار المدير العام الجديد عبر المؤتمر العام للمنظمة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل. يذكر أن المرشح المصري يواجه منذ أيام انتقادات حادة وموجة كبيرة من الاحتجاج وتشكلت ضده في ألمانيا جبهة معارضة لانتخابه مديرا لليونسكو، كما حذر مجلس الثقافة الألماني والمجلس المركزي لليهود في ألمانيا من انتخاب الوزير المصري
الثلاثاء، 26 مايو 2009
'هآرتس': 'صفقة' بين مبارك ونتنياهو لتعيين فاروق حسني أمينا عاما لـ 'اليونسكو'
تل أبيب - يو بي اي: ذكرت صحيفة 'هآرتس' امس أن الرئيس المصري حسني مبارك ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتفقا خلال لقائهما الأخير على 'صفقة' سرية تقضي بموافقة إسرائيل على تعيين وزير الثقافة المصري فاروق حسني أمينا عاما لـ'اليونسكو' مقابل بوادر نية حسنة 'جوهرية' تقدمها مصر لإسرائيل 'بالعملة ذاتها'.ونقلت 'هآرتس' عن مسؤول رفيع المستوى في مكتب نتنياهو تأكيده لهذه التفاصيل وقوله 'لقد حصلنا على مقابل مناسب ومجدٍ، وما كنا سنفعل ذلك لو أن المصلحة الإسرائيلية لم تحقق مكاسب'. وبحسب الصحيفة الإسرائيلية فإنه تم الاتفاق بصورة نهائية على 'الصفقة' بين نتنياهو ومبارك خلال لقائهما في شرم الشيخ في 11 أيار(مايو) الحالي، لكن تم الاحتفاظ بسرية تفاصيلها 'على الرغم من حدوث تغيير متطرف في سياسة إسرائيل'.وقال المسؤول في مكتب نتنياهو إن هذا التغيير في الموقف الإسرائيلي من تعيين حسني أمينا عاما لـ'اليونسكو' جاء في أعقاب طلب شخصي من مبارك وتوجهات زعماء أوروبيين، كما أن الاتفاق الإسرائيلي المصري يتناقض مع موقف وزارة الخارجية الإسرائيلية. وقالت 'هآرتس' إن وزارة الخارجية الإسرائيلية بعثت في 14 أيار(مايو) برقية سرية إلى عدد من السفارات الإسرائيلية التي تشارك في حملة إعلامية ودبلوماسية ضد تعيين حسني، جاء فيها أنه 'استمرارا لزيارة رئيس الحكومة نتنياهو لمصر، وبناء على طلب الرئيس مبارك وبموجب التفاهمات مع مصر، قرّرت إسرائيل إزالة معارضتها لتعيين فاروق حسني أمينا عاما لـ'ليونسكو' وتحويل الموقف إلى هدم معارضة'. وتمت مطالبة الدبلوماسيين الإسرائيليين بذكر تفاصيل ما جاء في البرقية فقط في حال تلقيهم أسئلة بشأن تغيير الموقف الإسرائيلي. ووصفت 'هآرتس' حسني بأنه 'معاد لإسرائيل' ونقلت عنه قوله أمام مجلس الشعب المصري في 10 أيار (مايو) من العام 2008 'إنني مستعد لحرق كتب إسرائيلية في حال عثرت عليها في المكتبات المصرية'. كما نقلت الصحيفة عن حسني قوله لوسائل إعلام إن 'إسرائيل واليهود عديمو الثقافة وينهبون تراث الشعوب'. وربطت 'هآرتس' بين موافقة نتنياهو على التوصل إلى هذا الاتفاق مع مصر بتهجمات وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان على مصر خلال السنوات السابقة ومطالبته بقصف السد العالي وتهجمه على مبارك بالقول 'فليذهب إلى الجحيم'. وتوقعت الصحيفة أن يؤدي تعيين حسني أمينا عاما لـ'اليونسكو' إلى 'موجة جديدة من المبادرات المعادية لإسرائيل'، بعد أن وجّهت 'اليونسكو' في الماضي انتقادات لإسرائيل خصوصا فيما يتعلق بالحفريات الأثرية في القدس الشرقية والضفة الغربية.
المدعي بالحق المدني : مسئول مصري في لندن كان يراقب سوزان لمصلحة هشام طلعت
شخصيات سياسية كبيرة، ورجال أعمال بارزون، واتهامات للحزب الحاكم بإفساد الحياة السياسية، والتسبب فى إهدار المال العام بسبب اختياره لعناصر فاسدة احتكرت السلطة والنفوذ وانجرفت وراء نزواتهم العاطفية، كل ذلك جاء ضمن قراءة طويلة لمذكرة المدعى بالحق المدنى فى قضية مقتل الفنانة اللبنانية سوزان تميم، والمتهم فيها رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى عضو مجلس الشورى وأمانة السياسات، ومحسن السكرى ضابط أمن الدولة المفصول، التى تمت إحالة أوراقهما للمفتى. المذكرة بدأت بالمطلب المهم والضرورى على حد وصفها وهو الأمر باستدعاء السيد جمال مبارك أمين لجنة السياسات والأمين العام المساعد للحزب الوطنى، باعتبار أن هشام طلعت المتهم الثانى هو الرجل الثانى فى هذه اللجنة التى يرأسها نجل الرئيس، لسؤاله كيف تم اختيار هشام طلعت لعضوية تلك اللجنة، التى تعتبر أهم لجنة سياسية لكونها، تمثل الحزب الحاكم، وتقوم برسم خريطة الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقال وائل بهجت ذكرى فى مذكرته: إن هناك أسماء سياسية عديدة ورجال أعمال بارزين لعبوا دورا كبيرا فى قضية مقتل سوزان تميم وبالتالى ضياع صخرة اقتصادية كبيرة لا شك فيها وهى صخرة طلعت مصطفى الاقتصادية التى كانت تمثل عبئا كبيرا على هؤلاء وبالتالى التخلص من هشام طلعت كان لابد أن يكون بهذه الطريقة. وقال المدعى بالحق المدنى إنه من ضمن الأسماء التى لعبت دورا فى قضية سوزان تميم، ملياردير الحديد والرجل القوى فى الحزب الوطنى أحمد عز أمين التنظيم ورئيس لجنة الخطة والموازنة فى مجلس الشعب، بسبب الحرب الاقتصادية الشرسة التى مرت بها الدولة وتبادل الاثنان الاتهامات حول مسئولية أيا منهما عن ارتفاع أسعار الحديد ومستلزمات البناء. واتهم عز هشام طلعت، بأنه وراء ارتفاع أسعار الشقق السكنية بسبب اهتمامه فقط بالطبقة العليا التى تملك المال، وتوفير مساكن فخمة تليق بهم على حساب البسطاء وعلى أراضى هى فى الأساس مملوكة للدولة، وهو ما أغضب هشام طلعت المتهم الثانى فشن هو الآخر حربا على أحمد عز متهما إياه، بأنه المسئول الأول والرئيسى، عن ارتفاع أسعار الشقق السكنية، بسبب احتكاره للحديد وبالتالى تسبب هذا فى ارتفاع أسعار مستلزمات البناء. وقال المدعى بالحق المدنى: إن الوليد بن طلال المستثمر الرئيسى لمشروع توشكى، وشريك هشام طلعت فى فندق الفورسيزون، لعب هو الآخر دورا كبيرا مستترا وراء علاقاته الدولية والاقتصادية الكبيرة، حيث شكل هشام طلعت منافسا اقتصاديا شرسا للوليد فى عدد من المشروعات العملاقة، وكانت بداية صراع الوليد مع هشام عندما ظفر هشام بأرض مدينتى وهو ما وافقت عليه الرئاسة لتشجيع الاستثمار الوطنى ما أغضب الوليد وحاول الانتقام بأن سيطر على الجمعية العمومية وأسهم فندق الفورسيزون بأن تكون له اليد العليا به ومن هنا كانت بداية خطة الوليد للانتقام من أسطورة طلعت مصطفى الاقتصادية بأن أحضر له سوزان تميم من لندن ودعاه بحضور الطبيب الخاص للوليد وعرفه على سوزان باعتبارها نجمة لبنانية ولديها بعض المشكلات الأسرية مع زوجها اللبنانى عادل معتوق. ومن هنا بدأت خطة الانتقام، حيث كان معروفا عن هشام حبه للمرأة خاصة فارهات الجمال، فقام هشام بتوفير جناح كامل لسوزان تميم، وأسرتها داخل فندق الفورسيزون، وبتعليمات من الوليد تمت مراقبة وتسجيل المحادثات التليفونية واللقاءات التى كانت تتم بين هشام وسوزان بالفندق، مرورا بعرض هشام الزواج منها واستخدام علاقاته فى حفظ المحاضر المتهم فيها والد وشقيق سوزان تميم وإنفاقه الملايين عليها من أموال الشركة القابضة، فى الوقت الذى كان يخشى فيه الوليد على أمواله بالشركات التى كانت تربطه بهشام طلعت مصطفى، مما كان دافعا للانتقام منه عن طريق سوزان تميم. وطالب وائل بهجت ذكرى بضم ميزانيات الشركة القابضة لمجموعة شركات طلعت مصطفى، والتعرف على أوجه الإنفاق طوال السنوات الأخيرة، حتى يتبين للرأى العام كم المصروفات الخاصة والأرقام الخيالية التى أنفقها هشام طلعت مصطفى على القتيلة واستضافته لها ولأسرتها داخل مصر بفندق الفورسيزون وخارجها بدول أجنبية وعربية رغم أن هذه الأموال خاصة بالشركات التى ساعدته الدولة فى تأسيسها. وطالب المدعى بالحق المدنى، بمخاطبة السفارة المصرية بلندن وذلك للتحقيق مع دبلوماسى مصرى حول قيامه بدور مشبوه لا يتناسب مع كونه سفيرا مصريا بالخارج حيث كان يقوم بمتابعة سوزان تميم وتحركاتها لمصلحة هشام طلعت مصطفى ـ المتهم الثانى ومنها أن السفير المصرى طلب من المتهم الثانى من خلال مكالمة تليفونية، عدم السفر إلى لندن لوجود شكوى ضده من سوزان تميم. وطالب المدعى بالحق المدنى بضم قرار التخصيص الخاص للأراضى التى حصل عليها هشام طلعت مصطفى، اعتمادا على عضويته بأمانة السياسات، خاصة أن تلك الأراضى لم يحصل عليها المتهم، بنظام المناقصة والمزايدة المعروف لعامة المستثمرين، وإنما حصل عليها بإمكانات خاصة لا تتوافر سوى لأعضاء الحزب الوطنى. وطالب بضم ملف الخدمة الخاص بالمتهم الأول محسن منير السكرى، فى جهاز أمن الدولة بوزارة الداخلية، لمعرفة ما أنفقته الدولة من مصروفات دراسية وبعثات خارجية ودورات تدريبية عليه حتى يعود بالنفع على بلده.
الجمعة، 24 أبريل 2009
أزمة حزب الله بين الإعلام والسياسة
فهمي هويدي
لا أعرف متى يمكن أن يتوقف الانفعال في الإعلام المصري بسبب موضوع خلية حزب الله، لكنى أعرف أن التصعيد الذي تؤجج ناره التعليقات المنفلتة والمتجاوزة للحدود يقلب الموازين ويسيء إلى مصر بأكثر مما يسيء إلى غيرها.
(١)
من المفارقات أن التهمة التي وجهت إلى حزب الله بمحاولة تهريب السلاح إلى غزة سبق أن "اقترفتها" مصر في الستينيات. ذلك أن النظام الناصري حين اختار أن ينحاز إلى موقف التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار، وجد نفسه مدفوعا إلى مناصرة حركات المقاومة خصوصا في أنحاء القارة الأفريقية. وهذه النصرة شملت تهريب السلاح بمختلف الوسائل. ولا يزال يعيش بيننا إلى الآن عدد من الضباط الذين أشرفوا على تلك العمليات، وقد تحدثت إلى بعضهم، واحترمت رغبتهم في عدم نشر أسمائهم. وسمعت منهم قصصا عن الكيفية إلى كانت مصر تهرب بها السلاح إلى الجزائر الخاضعة للاحتلال الفرنسي آنذاك. وكان ذلك يتم عبر البحر والبر.
"من المفارقات أن التهمة التي وجهت إلى حزب الله بمحاولة تهريب السلاح إلى غزة سبق أن "اقترفتها" مصر في الستينيات, ذلك أن النظام الناصري انحاز للمقاومة وهرب لها الأسلحة عبر البر والبحر, خصوصا في أنحاء القارة الأفريقية"العمليات البرية كانت تمر بالأراضي الليبية والتونسية دون علم سلطاتها في كثير من الأحيان. ولكي تصل إلى هدفها فإنها كانت تخترق الأسوار المكهربة التي أقامها الفرنسيون على الحدود لوقف التهريب. أما العمليات البحرية فكانت تراوغ لإنزال حمولتها على الشاطئ الجزائري. وقد غرقت واحدة من تلك السفن، في حين نجا قائدها اللواء حسن عاصم رحمه الله.
تحدث بعضهم أيضا عن تهريب السلاح إلى اليمن الجنوبي، الذي كان خاضعا للاحتلال الانجليزي، حيث كانت الأجهزة المصرية تزود القوى الوطنية بالسلاح والعتاد من تعز في اليمن الشمالى. وتكررت عمليات التهريب إلى العديد من الدول الأفريقية، ومنها تنزانيا وغانا وغينيا.
وكانت شركة النصر للاستيراد والتصدير غطاء لعمليات الدعم والمساندة التي قدمتها مصر لحركات التحرر الوطني في تلك الدول. لذلك افتتحت الشركة مكتبا دائما لها في باريس، لأنه لم تكن هناك خطوط مباشرة مع الدول الأفريقية، لكن الوصول إليها كان يمر في الغالب بالعاصمة الفرنسية.
وسمعت من الأستاذ محمد فايق الذي كان مسؤولا عن الملف الأفريقي في مكتب الرئيس عبد الناصر أن السلاح كان يهرب من روديسيا الجنوبية إلى روديسيا الشمالية، وحين لفت نظر الرئيس كينيث كاوندا إلى ذلك، كان رده أنه لا يقبل أن يقوم بدور الشرطي لحماية النظام العنصري في روديسيا الشمالية (زامبيا الآن).
أكثر من ذلك قامت المخابرات المصرية في تلك الفترة بعمليتين عسكريتين ناجحتين ضد إسرائيل انطلقتا من دولة ثالثة ودون علمها. فقد قصف ميناء إيلات من الأردن في العام ١٩٦٩ دون علم سلطاتها. وتم في ١٩٧٠ إغراق الحفار الإسرائيلي الذي كانت متجها إلى خليج السويس في مياه المحيط أمام أبيدجان ولم تكن سلطاتها بدورها على علم بالموضوع.
(٢)
صحيح أن ذلك كله حدث في زمن آخر. وفي ظل قيادة من طراز مختلف، إلا أن تلك الممارسات سوغتها السياسة رغم أنها مخالفة للقانون. ذلك أنه من الناحية القانونية البحتة، لا ينبغي استخدام إقليم دولة لأي غرض بغير علم أو رغبة منها وإلا اعتبر ذلك اعتداء على سيادتها. وهو ما يدعونا إلى القول بأن الرغبة في "النصرة" هي التي دفعت النظام السياسي في المرحلة الناصرية إلى غض الطرف عن مقتضى القانون والمغامرة بانتهاك السيادة، باعتبار أن حلم التخلص من الاستعمار شكل أحد الضرورات التي تبيح "المحظورات"، كما تقول القاعدة الشرعية الشهيرة.
الذي حدث في حالتنا أن السياسة لم تكن راغبة في غض الطرف عن مقتضى القانون، ولذلك جرى ما جرى، الأمر الذي يدعونا إلى القول بأنه من الناحية القانونية فإن سعى حزب الله إلى استخدام القاهرة لإطلاق أي أنشطة ضد إسرائيل دون علم الدولة المصرية أو رغبة منها هو خطأ تورط فيه ولا سبيل للدفاع عنه. (لاحظ أنني لم أتحدث عن إقدام الحزب على ممارسة أي أنشطة تستهدف الاستقرار في مصر كما ذكر بيان النائب العام المصري، لأن المجال الأول لم يعد محل منازعة بعد اعتراف السيد حسن نصر الله به).
"المشكلة مع حزب الله برزت حين صعدت الأبواق الإعلامية المصرية من لهجة الاشتباك مع الحدث ووسعت من نطاقه، بحيث حولته من خطأ قانوني ارتكبه حزب الله إلى حملة شرسة وظالمة ووسعت من نطاقه "لا مشكلة إذن في التعامل القانوني مع القضية. وسواء تخلت السياسة عن "النصرة"، أو رأت أن تمارسها بشكل أخر، فتلك أيضا حساباتها التي قد يختلف الرأي حولها. لكن المشكلة برزت حين صعدت الأبواق الإعلامية المصرية من لهجة الاشتباك مع الحدث ووسعت من نطاقه، بحيث حولته من خطأ قانوني ارتكبه حزب الله إلى حملة شرسة وظالمة ووسعت من نطاقه، واستخدمت في ذلك أساليب غير كريمة حطت من شأنه وجرحت تاريخه وقيادته.
وقد استندت في ذلك إلى ما ذكره بيان النائب العام بخصوص بلاغ لمباحث أمن الدولة تحدث عن مخطط لزعزعة الاستقرار في مصر من شأنه أن يهدد أمنها القومي. وكانت النتيجة أنه خلال أيام قليلة تحول حزب الله إلى عدو لمصر، وتمت "شيطنته"، وهو الذي أسهمه قد ارتفعت إلى عنان السماء بعد انتصاره على إسرائيل في العام ٢٠٠٦.
(٣)
لا تفوتنا هنا ملاحظتان، إحداهما تتعلق بما وراء حملة الشيطنة، والثانية يثيرها توقيت إطلاق الحملة. فيما يخص المسالة الأولى ينبغي أن ندرك أن ثمة أطرافا في المنطقة تمنت لحزب الله أن يختفي من الوجود. وأن لم يتحقق ذلك فعلى الأقل تسود صفحته وتشوه صورته. لا لأن أعضاءه من أتباع المذهب الشيعي، وليس لأن لديهم تحالفا مع إيران، أو لأنهم يشكلون قوة سياسية مسلحة في لبنان تكاد تقارع سلطة الدولة، ولكن لسبب واحد هو أنه فصيل مقاوم لإسرائيل بالدرجة الأولى، استطاع أن يثبت في مواجهتها وأن يتحداها بنجاح، لأول مرة في تاريخ الدولة العبرية.
ولو أنه تخلى عن المقاومة وانخرط في اللعبة السياسية، وأبقى كل صفاته وارتباطاته الأخرى لغفر له، ولربما منح السيد حسن نصر الله جائزة نوبل تقديرا لجهده في دفع "عملية" السلام. و إذا جاز لنا أن نتصارح في هذا الصدد، فإننا نقرر أن الأطراف التي اعنيها ليست إسرائيلية وأميركية فقط، ولكنها لبنانية وعربية أيضا. ومن يقرأ عناوين وتعليقات بعض الصحف والفضائيات العربية يستطيع أن يحدد تلك الأطراف بالاسم والعنوان.
"لو أنحزب الله تخلى عن المقاومة وانخرط في اللعبة السياسية، وأبقى على كل صفاته وارتباطاته الأخرى لغفر له، ولربما منح السيد حسن نصر الله جائزة نوبل تقديرا لجهده في دفع "عملية" السلام"أما توقيت إطلاق الحملة فإنه يثير أسئلة عديدة، ذلك أن عضو حزب الله الذي اتهم بقيادة الخلية ألقى القبض عليه في ١٩ نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وظل محتجزا هو ورفاقه من ذلك الحين. بحيث لم يعلن رسميا عن القضية إلا في ٩ أبريل/ نيسان الحالي، أي بعد حوالي خمسة أشهر. وتزامن ذلك الإعلان مع سخونة حملة الانتخابات النيابية اللبنانية، التي تجرى في ٧ يونيو/ حزيران، ويتصارع فيها تيارا ١٤ و٨ مارس/ آذار.
والأول ضد المقاومة ومع لبنان "المعتدل" جدا، والثاني مع المقاومة ومع لبنان المستقل والرافض للهيمنة الأميركية. لا أعرف إن كان ذلك التزامن مجرد مصادفة أم لا، لكن الذي حدث أن الحملة المصرية ضد حزب الله وظفت لصالح تيار ١٤ آذار في المعركة الانتخابية الدائرة في لبنان، حتى قيل إن ١٥ ألف نسخة من الصحف القومية المصرية التي تسب حزب الله وتخوف منه وتجرح زعيمه تنقل يوميا من القاهرة إلى بيروت، لتسهم في إضعاف موقف الحزب في الانتخابات.
(٤)
في حملة شيطنة حزب الله، ارتكب الإعلام المصري عدة خطايا لا تغتفر، على الأصعدة المهنية والأخلاقية والسياسية. فمن الناحية المهنية فإن أبواقنا الإعلامية أجرت المحاكمة وفصلت في القضية حيث أعلنت إدانة حزب الله، وتنفيذ حكم الإعدام السياسي والأدبي بحقه.
كل ذلك والتحقيقات لم تتم، والقضية لم تنظر أمام القضاء، ولم تسمع للقاضي فيها كلمة. وفي هذا الجانب كان ما نشرته الصحف المصرية إعلانا عن حجم النفوذ الكبير الذي تمارسه الأجهزة الأمنية في المحيط الإعلامي.
من الناحية الأخلاقية كان السقوط مدويا، فقد كان الصوت العالي في الصحافة القومية والبث التلفزيوني الخاضع للتوجه الأمني، للسباب والشتائم والإهانات التي عبرت عن إفلاس في الحجة وهبوط في مستوى التعبير، وإيثار لغة "الردح" على أسلوب الحوار والمناقشة الموضوعية.
من الناحية السياسية، كانت أبرز الخطايا ما يلي:* أن الإعلام المصري بالغ في التجريح والإهانة حتى وجد نفسه يقف في مربع واحد مع المربع الإسرائيلي. ولذلك كانت الحفاوة بالغة والترحيب شديدا من جانب إسرائيل بكل ما صدر عن القاهرة ضد حزب الله. ولم يفوت الإسرائيليون الفرصة، فأصبحوا يتحدثون عن الحزب بأنه "العدو المشترك" للقاهرة وتل أبيب.
"يجب أن نتعامل مع حزب الله بروح مغايرة، فنعاتبه ولا نخاصمه، ونصوبه ولا نجرمه، لكن للأسف إعلامنا أهدر هذه المعاني والضوابط، الأمر الذي يطرح بقوة سؤالا عن طبيعة العلاقة بين الإعلام والسياسة "* إعلامنا وهو يندد بمحاولة تهريب السلاح إلى غزة لم يذكر مرة واحدة أن المشكلة الحقيقة في الاحتلال وأن التهريب نتيجة لذلك الاحتلال، وضرورة اضطر الناس للجوء إليها لمواجهة ذلك الاحتلال.
* لم يفرق إعلامنا بين التناقض الرئيس والثانوي. والأول هو ما بين مصر والعرب أجمعين وبين إسرائيل، والثانوي هو كل ما يقع بين العرب والعرب. وبسبب الخلط بين الاثنين بالغ إعلامنا في هجومه على حزب الله بشكل ضار وكأنه أصبح يمثل تناقضا رئيسا مع مصر، بينما أن يكون الحزب مع مصر في مربع واحد ضد إسرائيل.
* الغريب والمدهش أن إعلامنا لم يعتبر إسرائيل النووية المصرة على التوسع ونهب الأرض تهديدا للأمن القومي المصري، وصدق أن شابا واحدا ومعه آخرين مهما كان عددهم يمكن أن يشكلوا ذلك التهديد.
* لم نجد وعيا بحقيقة أن عدو عدوى صديقي، ووجدنا في المتابعة الإعلامية المصرية خطابا مدهشا يتصرف وكأن عدو عدوى، عدوى أيضا، وكأن معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل جعلت أعداء إسرائيل أعداء لنا أيضا.
ولأن حزب الله المقاوم يمثل رصيدا يجب الحفاظ عليه فضلا عن الاعتزاز به، فإننا يجب أن نتعامل معه بروح مغايرة، فنعاتبه ولا نخاصمه، ونصوبه ولا نجرمه، لكي نكسبه في النهاية ولا نخسره. وللأسف فان إعلامنا أهدر هذه المعاني والضوابط، الأمر الذي يطرح بقوة سؤالا عن طبيعة العلاقة بين الإعلام والسياسة في هذه الحالة.
لا أعرف متى يمكن أن يتوقف الانفعال في الإعلام المصري بسبب موضوع خلية حزب الله، لكنى أعرف أن التصعيد الذي تؤجج ناره التعليقات المنفلتة والمتجاوزة للحدود يقلب الموازين ويسيء إلى مصر بأكثر مما يسيء إلى غيرها.
(١)
من المفارقات أن التهمة التي وجهت إلى حزب الله بمحاولة تهريب السلاح إلى غزة سبق أن "اقترفتها" مصر في الستينيات. ذلك أن النظام الناصري حين اختار أن ينحاز إلى موقف التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار، وجد نفسه مدفوعا إلى مناصرة حركات المقاومة خصوصا في أنحاء القارة الأفريقية. وهذه النصرة شملت تهريب السلاح بمختلف الوسائل. ولا يزال يعيش بيننا إلى الآن عدد من الضباط الذين أشرفوا على تلك العمليات، وقد تحدثت إلى بعضهم، واحترمت رغبتهم في عدم نشر أسمائهم. وسمعت منهم قصصا عن الكيفية إلى كانت مصر تهرب بها السلاح إلى الجزائر الخاضعة للاحتلال الفرنسي آنذاك. وكان ذلك يتم عبر البحر والبر.
"من المفارقات أن التهمة التي وجهت إلى حزب الله بمحاولة تهريب السلاح إلى غزة سبق أن "اقترفتها" مصر في الستينيات, ذلك أن النظام الناصري انحاز للمقاومة وهرب لها الأسلحة عبر البر والبحر, خصوصا في أنحاء القارة الأفريقية"العمليات البرية كانت تمر بالأراضي الليبية والتونسية دون علم سلطاتها في كثير من الأحيان. ولكي تصل إلى هدفها فإنها كانت تخترق الأسوار المكهربة التي أقامها الفرنسيون على الحدود لوقف التهريب. أما العمليات البحرية فكانت تراوغ لإنزال حمولتها على الشاطئ الجزائري. وقد غرقت واحدة من تلك السفن، في حين نجا قائدها اللواء حسن عاصم رحمه الله.
تحدث بعضهم أيضا عن تهريب السلاح إلى اليمن الجنوبي، الذي كان خاضعا للاحتلال الانجليزي، حيث كانت الأجهزة المصرية تزود القوى الوطنية بالسلاح والعتاد من تعز في اليمن الشمالى. وتكررت عمليات التهريب إلى العديد من الدول الأفريقية، ومنها تنزانيا وغانا وغينيا.
وكانت شركة النصر للاستيراد والتصدير غطاء لعمليات الدعم والمساندة التي قدمتها مصر لحركات التحرر الوطني في تلك الدول. لذلك افتتحت الشركة مكتبا دائما لها في باريس، لأنه لم تكن هناك خطوط مباشرة مع الدول الأفريقية، لكن الوصول إليها كان يمر في الغالب بالعاصمة الفرنسية.
وسمعت من الأستاذ محمد فايق الذي كان مسؤولا عن الملف الأفريقي في مكتب الرئيس عبد الناصر أن السلاح كان يهرب من روديسيا الجنوبية إلى روديسيا الشمالية، وحين لفت نظر الرئيس كينيث كاوندا إلى ذلك، كان رده أنه لا يقبل أن يقوم بدور الشرطي لحماية النظام العنصري في روديسيا الشمالية (زامبيا الآن).
أكثر من ذلك قامت المخابرات المصرية في تلك الفترة بعمليتين عسكريتين ناجحتين ضد إسرائيل انطلقتا من دولة ثالثة ودون علمها. فقد قصف ميناء إيلات من الأردن في العام ١٩٦٩ دون علم سلطاتها. وتم في ١٩٧٠ إغراق الحفار الإسرائيلي الذي كانت متجها إلى خليج السويس في مياه المحيط أمام أبيدجان ولم تكن سلطاتها بدورها على علم بالموضوع.
(٢)
صحيح أن ذلك كله حدث في زمن آخر. وفي ظل قيادة من طراز مختلف، إلا أن تلك الممارسات سوغتها السياسة رغم أنها مخالفة للقانون. ذلك أنه من الناحية القانونية البحتة، لا ينبغي استخدام إقليم دولة لأي غرض بغير علم أو رغبة منها وإلا اعتبر ذلك اعتداء على سيادتها. وهو ما يدعونا إلى القول بأن الرغبة في "النصرة" هي التي دفعت النظام السياسي في المرحلة الناصرية إلى غض الطرف عن مقتضى القانون والمغامرة بانتهاك السيادة، باعتبار أن حلم التخلص من الاستعمار شكل أحد الضرورات التي تبيح "المحظورات"، كما تقول القاعدة الشرعية الشهيرة.
الذي حدث في حالتنا أن السياسة لم تكن راغبة في غض الطرف عن مقتضى القانون، ولذلك جرى ما جرى، الأمر الذي يدعونا إلى القول بأنه من الناحية القانونية فإن سعى حزب الله إلى استخدام القاهرة لإطلاق أي أنشطة ضد إسرائيل دون علم الدولة المصرية أو رغبة منها هو خطأ تورط فيه ولا سبيل للدفاع عنه. (لاحظ أنني لم أتحدث عن إقدام الحزب على ممارسة أي أنشطة تستهدف الاستقرار في مصر كما ذكر بيان النائب العام المصري، لأن المجال الأول لم يعد محل منازعة بعد اعتراف السيد حسن نصر الله به).
"المشكلة مع حزب الله برزت حين صعدت الأبواق الإعلامية المصرية من لهجة الاشتباك مع الحدث ووسعت من نطاقه، بحيث حولته من خطأ قانوني ارتكبه حزب الله إلى حملة شرسة وظالمة ووسعت من نطاقه "لا مشكلة إذن في التعامل القانوني مع القضية. وسواء تخلت السياسة عن "النصرة"، أو رأت أن تمارسها بشكل أخر، فتلك أيضا حساباتها التي قد يختلف الرأي حولها. لكن المشكلة برزت حين صعدت الأبواق الإعلامية المصرية من لهجة الاشتباك مع الحدث ووسعت من نطاقه، بحيث حولته من خطأ قانوني ارتكبه حزب الله إلى حملة شرسة وظالمة ووسعت من نطاقه، واستخدمت في ذلك أساليب غير كريمة حطت من شأنه وجرحت تاريخه وقيادته.
وقد استندت في ذلك إلى ما ذكره بيان النائب العام بخصوص بلاغ لمباحث أمن الدولة تحدث عن مخطط لزعزعة الاستقرار في مصر من شأنه أن يهدد أمنها القومي. وكانت النتيجة أنه خلال أيام قليلة تحول حزب الله إلى عدو لمصر، وتمت "شيطنته"، وهو الذي أسهمه قد ارتفعت إلى عنان السماء بعد انتصاره على إسرائيل في العام ٢٠٠٦.
(٣)
لا تفوتنا هنا ملاحظتان، إحداهما تتعلق بما وراء حملة الشيطنة، والثانية يثيرها توقيت إطلاق الحملة. فيما يخص المسالة الأولى ينبغي أن ندرك أن ثمة أطرافا في المنطقة تمنت لحزب الله أن يختفي من الوجود. وأن لم يتحقق ذلك فعلى الأقل تسود صفحته وتشوه صورته. لا لأن أعضاءه من أتباع المذهب الشيعي، وليس لأن لديهم تحالفا مع إيران، أو لأنهم يشكلون قوة سياسية مسلحة في لبنان تكاد تقارع سلطة الدولة، ولكن لسبب واحد هو أنه فصيل مقاوم لإسرائيل بالدرجة الأولى، استطاع أن يثبت في مواجهتها وأن يتحداها بنجاح، لأول مرة في تاريخ الدولة العبرية.
ولو أنه تخلى عن المقاومة وانخرط في اللعبة السياسية، وأبقى كل صفاته وارتباطاته الأخرى لغفر له، ولربما منح السيد حسن نصر الله جائزة نوبل تقديرا لجهده في دفع "عملية" السلام. و إذا جاز لنا أن نتصارح في هذا الصدد، فإننا نقرر أن الأطراف التي اعنيها ليست إسرائيلية وأميركية فقط، ولكنها لبنانية وعربية أيضا. ومن يقرأ عناوين وتعليقات بعض الصحف والفضائيات العربية يستطيع أن يحدد تلك الأطراف بالاسم والعنوان.
"لو أنحزب الله تخلى عن المقاومة وانخرط في اللعبة السياسية، وأبقى على كل صفاته وارتباطاته الأخرى لغفر له، ولربما منح السيد حسن نصر الله جائزة نوبل تقديرا لجهده في دفع "عملية" السلام"أما توقيت إطلاق الحملة فإنه يثير أسئلة عديدة، ذلك أن عضو حزب الله الذي اتهم بقيادة الخلية ألقى القبض عليه في ١٩ نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وظل محتجزا هو ورفاقه من ذلك الحين. بحيث لم يعلن رسميا عن القضية إلا في ٩ أبريل/ نيسان الحالي، أي بعد حوالي خمسة أشهر. وتزامن ذلك الإعلان مع سخونة حملة الانتخابات النيابية اللبنانية، التي تجرى في ٧ يونيو/ حزيران، ويتصارع فيها تيارا ١٤ و٨ مارس/ آذار.
والأول ضد المقاومة ومع لبنان "المعتدل" جدا، والثاني مع المقاومة ومع لبنان المستقل والرافض للهيمنة الأميركية. لا أعرف إن كان ذلك التزامن مجرد مصادفة أم لا، لكن الذي حدث أن الحملة المصرية ضد حزب الله وظفت لصالح تيار ١٤ آذار في المعركة الانتخابية الدائرة في لبنان، حتى قيل إن ١٥ ألف نسخة من الصحف القومية المصرية التي تسب حزب الله وتخوف منه وتجرح زعيمه تنقل يوميا من القاهرة إلى بيروت، لتسهم في إضعاف موقف الحزب في الانتخابات.
(٤)
في حملة شيطنة حزب الله، ارتكب الإعلام المصري عدة خطايا لا تغتفر، على الأصعدة المهنية والأخلاقية والسياسية. فمن الناحية المهنية فإن أبواقنا الإعلامية أجرت المحاكمة وفصلت في القضية حيث أعلنت إدانة حزب الله، وتنفيذ حكم الإعدام السياسي والأدبي بحقه.
كل ذلك والتحقيقات لم تتم، والقضية لم تنظر أمام القضاء، ولم تسمع للقاضي فيها كلمة. وفي هذا الجانب كان ما نشرته الصحف المصرية إعلانا عن حجم النفوذ الكبير الذي تمارسه الأجهزة الأمنية في المحيط الإعلامي.
من الناحية الأخلاقية كان السقوط مدويا، فقد كان الصوت العالي في الصحافة القومية والبث التلفزيوني الخاضع للتوجه الأمني، للسباب والشتائم والإهانات التي عبرت عن إفلاس في الحجة وهبوط في مستوى التعبير، وإيثار لغة "الردح" على أسلوب الحوار والمناقشة الموضوعية.
من الناحية السياسية، كانت أبرز الخطايا ما يلي:* أن الإعلام المصري بالغ في التجريح والإهانة حتى وجد نفسه يقف في مربع واحد مع المربع الإسرائيلي. ولذلك كانت الحفاوة بالغة والترحيب شديدا من جانب إسرائيل بكل ما صدر عن القاهرة ضد حزب الله. ولم يفوت الإسرائيليون الفرصة، فأصبحوا يتحدثون عن الحزب بأنه "العدو المشترك" للقاهرة وتل أبيب.
"يجب أن نتعامل مع حزب الله بروح مغايرة، فنعاتبه ولا نخاصمه، ونصوبه ولا نجرمه، لكن للأسف إعلامنا أهدر هذه المعاني والضوابط، الأمر الذي يطرح بقوة سؤالا عن طبيعة العلاقة بين الإعلام والسياسة "* إعلامنا وهو يندد بمحاولة تهريب السلاح إلى غزة لم يذكر مرة واحدة أن المشكلة الحقيقة في الاحتلال وأن التهريب نتيجة لذلك الاحتلال، وضرورة اضطر الناس للجوء إليها لمواجهة ذلك الاحتلال.
* لم يفرق إعلامنا بين التناقض الرئيس والثانوي. والأول هو ما بين مصر والعرب أجمعين وبين إسرائيل، والثانوي هو كل ما يقع بين العرب والعرب. وبسبب الخلط بين الاثنين بالغ إعلامنا في هجومه على حزب الله بشكل ضار وكأنه أصبح يمثل تناقضا رئيسا مع مصر، بينما أن يكون الحزب مع مصر في مربع واحد ضد إسرائيل.
* الغريب والمدهش أن إعلامنا لم يعتبر إسرائيل النووية المصرة على التوسع ونهب الأرض تهديدا للأمن القومي المصري، وصدق أن شابا واحدا ومعه آخرين مهما كان عددهم يمكن أن يشكلوا ذلك التهديد.
* لم نجد وعيا بحقيقة أن عدو عدوى صديقي، ووجدنا في المتابعة الإعلامية المصرية خطابا مدهشا يتصرف وكأن عدو عدوى، عدوى أيضا، وكأن معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل جعلت أعداء إسرائيل أعداء لنا أيضا.
ولأن حزب الله المقاوم يمثل رصيدا يجب الحفاظ عليه فضلا عن الاعتزاز به، فإننا يجب أن نتعامل معه بروح مغايرة، فنعاتبه ولا نخاصمه، ونصوبه ولا نجرمه، لكي نكسبه في النهاية ولا نخسره. وللأسف فان إعلامنا أهدر هذه المعاني والضوابط، الأمر الذي يطرح بقوة سؤالا عن طبيعة العلاقة بين الإعلام والسياسة في هذه الحالة.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)